ليست أزمة أنظمة فحسب.. بل أزمة مثقفين أيضا
آخر تحديث: 2001/5/28 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1422/3/6 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2001/5/28 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1422/3/6 هـ

ليست أزمة أنظمة فحسب.. بل أزمة مثقفين أيضا


الجزيرة نت- حسام عبد الحميد

انتقد الكاتب الإسلامي فهمي هويدي في صحيفة الشرق الأوسط موقف الأنظمة والمثقفين على حد سواء إزاء الحريات واتخاذهم مواقف انتقائية تجاه هذه المسألة عندما تكون هناك خصومة سياسية بينهم وبين أطراف أخرى لا تتفق معهم في النهج أو التوجه, مؤكدا أن الأزمة التي نعيشها في عالمنا العربي "ليست أزمة أنظمة فحسب.. ولكنها أزمة مثقفين أيضا".

وتحت هذا العنوان قدم الكاتب مقاله بمناسبة مرور سنة على وقف نشاط حزب العمل المصري والتي تزامنت مع صدور حكم قضائي بسجن الدكتور سعد الدين إبراهيم سبع سنوات بتهمة التمويل الأجنبي ورشوة بعض موظفي الدولة.


إن حزب العمل دفع ثمن معارضته وحملاته على رموز السلطة كما دفع سعد الدين إبراهيم أيضا ثمن مواقفه والأخطاء القانونية التي وقع فيها
وبدأ هويدي بالقول ليس هناك شبه يذكر بين حالة حزب العمل وقضية الدكتور سعد الدين إبراهيم، إلا إذا قلت إن مشكلة حزب العمل سياسية بإطلاق، بينما قضية الدكتور إبراهيم قد تكون سياسية في جانب غير معلن، لكن إدانته هو ومن معه كانت بسبب ارتكابه مخالفات قانونية. ولا أستبعد ان تكون تلك المخالفات بمثابة الذريعة التي جرى تصيدها، واستخدامها لتصفية الحسابات السياسية.

مفارقات أساسية
ويشرح الكاتب الفرق بين القضيتين بقوله:
* إن جريدة "الشعب" الناطقة باسم حزب العمل، والتي أوقفت بدورها، كانت قد دأبت على مهاجمة الدكتور إبراهيم ومركزه من زاويتين، أولا: باعتبار أن مركز ابن خلدون أصبح أحد قنوات ومراكز التطبيع مع إسرائيل. وثانيا: لأن المركز الذي يعتمد بالكامل على التمويل الأجنبي مارس أنشطة غذت المشاعر الطائفية والعنصرية في مصر، بإلحاحه غير الصحي على المسألة القبطية وافتعاله لمشكلة النوبيين في مصر.

* إن حزب العمل كان يمثل المعارضة العنيدة لسياسات الحكومة المصرية، بينما الدكتور سعد الدين إبراهيم كان يحتفظ بعلاقات طيبة مع السلطة ويحظى برضى مشهود من جانب الحكومة، الأمر الذي أتاح له -مثلا- أن يقدم برنامجا أسبوعيا على شاشات التليفزيون الذي تديره الدولة. وهو ما لا يمكن أن يتاح لأي مثقف معارض.

وعلى الرغم من تلك المفارقات إلا أن الاثنين دفعا الثمن , وفي هذا يقول الكاتب إن حزب العمل دفع ثمن معارضته وحملاته على رموز السلطة, فعلاوة على وقف الحزب وجريدته، فإن رئيس تحرير الجريدة الأستاذ مجدي حسين واثنين من صحافييها حكم عليهم بالسجن لمدة تتراوح بين سنتين وسنة، أما الأمين العام للحزب الأستاذ عادل حسين فقد تعرض للسجن والملاحقة، الأمر الذي أصابه في النهاية بانفجار في المخ أدى إلى وفاته. أما الدكتور سعد الدين إبراهيم فقد دفع أيضا ثمن مواقفه والأخطاء القانونية التي وقع فيها.

موقف الإعلام والمثقفين


إن قضية الدكتور إبراهيم تصدرت صفحات بعض تلك الصحف
ونشرت عشرات المقالات تعقيبا على ما جرى وتأييدا للرجل وتضامنا معه
أما حزب العمل بكل وزنه ورصيده المعتبر في الشارع المصري فإن ما حل به قوبل بتجاهل شديد على مدار العام
وينتقل الكاتب من تلك المقارنة المحدودة إلى مقارنة أكبر يرصد فيه موقف الإعلام والمثقفين إزاء القضيتين فيقول: يلاحظ قارئ الصحف العربية أن قضية الدكتور إبراهيم تصدرت صفحات بعض تلك الصحف، ومنذ ألقي القبض عليه وحتى هذه اللحظة نشرت عشرات المقالات تعقيبا على ما جرى، وتأييدا للرجل وتضامنا معه صار موضوعه بمثابة زاوية ثابتة في تلك الصحف. أما حزب العمل، بكل وزنه ورصيده المعتبر في الشارع المصري، فإن ما حل به قوبل بتجاهل شديد على مدار العام.

ويشرح هويدي الدواعي التي تفرض وقوف المثقفين بجانب حزب العمل فيقول: رغم أن الدكتور إبراهيم مثقف بارز إلا أنه في النهاية يظل فردا واحدا له تأثيره المتواضع في إطار النخبة، بينما حزب العمل يمثل كتلة سياسية مهمة في الشارع المصري. أما على صعيد المظلومية فهي أكثر ثبوتا في جانب حزب العمل، الذي أصدر القضاء حتى الآن 11 حكما لصالحه، تقضي بإعادة الحزب وإطلاق سراح جريدته، وما زالت جهات الإدارة متمسكة برفض الاثنين، وفي حالة الدكتور إبراهيم فإن مظلوميته واردة وليس مقطوعا بها، خصوصا أن الحكم الصادر ضده قابل للطعن فيه، ولم يصبح نهائيا بعد.

وحتي لا يحدث أي لبس يوضح هويدي موقفه الشخصي إزاء إبراهيم بقوله "أنا لست ضد الاهتمام بشأن شخص يظن أنه مظلوم، وليس عندي تحفظ على الاهتمام بمتابعة أخبار الدكتور إبراهيم وتوسيع نطاق التضامن معه، على الأقل في الشق السياسي من قضيته، إنما ملاحظتي الأساسية تنصب على الانتقاء والتحيز في الدفاع عن «المظاليم»، بحيث تقوم الدنيا ولا تقعد دفاعا عن شخص بذاته من المظاليم، ثم يتم التعتيم والتجاهل لكيانات ورموز أخرى كبيرة، رغم أن الظلم الواقع بحقها من العيار الثقيل".

ويطرح هويدي مجموعة من التساؤلات:
* لماذا تلك الضجة الكبيرة المثارة غضبا للدكتور إبراهيم، وذلك السكوت المريب إزاء ما جرى لحزب العمل، الذي لا يختلف اثنان أنه أهم بكثير، من الناحيتين السياسية والموضوعية، من الدكتور إبراهيم ومركز ابن خلدون؟

* ألا يعد وقف حزب كامل ومنع جريدته من الصدور عدوانا أيضا على الديمقراطية وحقوق الإنسان وإضعافا للمجتمع المدني؟

ويقول الكاتب ردا على هذه التساؤلات "ولأن الرد بالإيجاب في الأغلب، حيث لا يعقل عند الراشدين ألا يعتبر وقف حزب شرعي وحجب صوته عدوانا على الديمقراطية، فلماذا إذن الكيل بمكيالين في هذه الحالة؟".

ويضيف إذا كان ذلك دفاعا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، أعني أنه إذا كان موقفا مبدئيا فقد كان يتعين على الغيورين أن يعلنوا موقفا حازما، وأن يتابعوا بالقدر نفسه من الاهتمام ما جرى لحزب العمل، لكن ذلك لم يحدث بدليل التجاهل الصارخ الذي أشرت إليه، بل إنه في بعض الأحيان فإن العكس هو ما جرى. أعني أن بعض المثقفين والقوى السياسية وقفوا إلى جانب قمع حزب العمل.

أزمة أنظمة ومثقفين


إن الأزمة ليست في الأنظمة والحكومات فقط لكننا يجب أن نعترف بأنها طالت المثقفين ووسائل الإعلام أيضا
ويخلص الكاتب إلى القول "أزعم أن الموقف في هذه الحالة لم يكن مبدئيا، وأن تجاهل مظلومية وقمع حزب العمل له صلة بتوجهاته الإسلامية، وان الإفراط في متابعة قضية الدكتور إبراهيم هو تعبير عن الاصطفاف العلماني إلى جانبه واحتشاد الدوائر العلمانية النافذة وصاحبة الصوت العالي في دوائر المثقفين ووسائل الإعلام للدفاع عنه".

وفي نهاية مقاله يجسد هويدي الحقيقة التي خلص إليها بقوله إن الأزمة ليست في الأنظمة والحكومات فقط، لكننا يجب ان نعترف بأنها طالت المثقفين ووسائل الإعلام أيضا، إذ حين نكب هؤلاء بالاستقطاب العلماني- الإسلامي، فإن هموم الوطن تراجعت، وتقدمت عليها الخصومات الفكرية والتصفيات المتبادلة، فخسر الطرفان، وخسر الوطن أيضا، ودفع الجميع ثمنا باهظا جراء ذلك.

المصدر :