في الذكرى الأولى لانسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي يستعيد الكاتب كريم بقرادوني في صحيفة الشرق الأوسط الصادرة اليوم, ذكريات التحرير التي مر بها لبنان منذ الانتداب الفرنسي والانسحاب الإسرائيلي, رابطا ذلك بما يحدث في الأرض المحتلة, ومؤكدا على صلابة الشعب الفلسطيني في إجبار واشنطن على التدخل لفرض تسوية سلمية على أساس تحرير الجولان وتأسيس الدولة الفلسطينية.

من فرنسا إلى إسرائيل
فكتب بقرادوني مقالا تحت عنوان "كرة التحرير: من لبنان.. إلى الجولان والقدس"  يقول الذكرى الأولى لانسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من لبنان في 25 أيار (مايو) أعادت الى ذاكرتي مرحلة جلاء جيش الانتداب الفرنسي عن لبنان في الأربعينات, ففي 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 1943، ومع انتهاء الانتداب الفرنسي، تحقق الاستقلال الأول بفضل نضال اللبنانيين وتوحدهم حول رئيس الجمهورية اللبنانية في حينه بشارة الخوري الذي استحق لقب «بطل الاستقلال».

وفي العام المنصرم، ومع الانسحاب الإسرائيلي، تحقق الاستقلال الثاني بفضل مقاومة اللبنانيين وتوحدهم حول رئيس الجمهورية الحالي إميل لحود الذي استحق لقب «بطل التحرير».


إزاء وحدة اللبنانيين وتصميمهم، لم تفلح الإمبراطورية الفرنسية على عظمتها ولا إسرائيل على جبروتها في البقاء في لبنان، واضطرتا على سحب جيوشهما منه مكرهتين
ويتحدث الكاتب عن الظروف التي ساعدت لبنان على نيل استقلاله مرتين فيقول "بالطبع ظروف الحرب العالمية الثانية والظروف الداخلية الفرنسية ساهمت في نيل لبنان استقلاله الأول، كما ساهمت الظروف الإقليمية وظروف إسرائيل الداخلية في نيله استقلاله الثاني، لكن الظروف الخارجية ما كانت لتفيد لو لم يتوحد البنانيون على اختلافهم لخوض معركتي الاستقلال الأول والثاني، ولو لم يثبتوا بأنهم شعب موحد في تنوعه ومتنوع في وحدته".

ويضيف "إزاء وحدة اللبنانيين وتصميمهم، لم تفلح الإمبراطورية الفرنسية على عظمتها ولا إسرائيل على جبروتها في البقاء في لبنان، واضطرتا على سحب جيوشهما منه مكرهتين".

ولكن ثمة مفارقة جمعت بين حرب التحرير الأولى والثانية, ويشرح الكاتب ذلك بقوله المفارقة التي لا تغيب عن ذهني إنه، وباستثناء قلة مناضلة، لم يكن اللبنانيون في الأربعينات يتوقعون أن ينسحب الجيش الفرنسي تحت ضغط حركتهم، وفي التسعينات، وباستثناء قلة مقاومة، ما كانوا مقتنعين بأن إسرائيل ستنسحب نتيجة ضربات مقاومتهم. ولكن بفضل الوحدة الوطنية والمقاومة أحيا آباؤنا ذكرى الاستقلال الأول، ونحيي نحن ذكرى الاستقلال الثاني.

تماثل لبناني فلسطيني
وينتقل الكاتب من المشهد اللبناني إلى الساحة الفلسطينية ليجد وجه الشبه ماثلا أيضا فيقول "ويتكرر المشهد اللبناني على الساحة الفلسطينية حيث لا أحد، باستثناء قلة من العرب والفلسطينيين، مقتنع بجدوى الانتفاضة وقدرتها على مواجهة الآلة العسكرية الضخمة التي يديرها بشراسة اعتى قادة إسرائيل، أرييل شارون.

وفي ظل مناخ الشك والتشكيك تتعدد محاولات الالتفاف على الانتفاضة والحد من زخمها، كما كان يحصل في لبنان في مطلع التسعينات من التفاف على المقاومة لوقفها.

دروس المقاومة


يعمل أرييل شارون على استباق إعلان عجزه عن طريق نقل حربه مع الانتفاضة إلى حرب مع السلطة الفلسطينية، ونقل حربه مع «حزب الله» إلى حرب مع سوريا، في محاولة منه للابتعاد عن النموذج اللبناني
ويؤكد الكاتب على أهمية المقاومة فيقول "تعلمنا التجربة اللبنانية مع إسرائيل، وتجارب غيرنا من الشعوب على مدى التاريخ القديم والمعاصر، إن المقاومة هي عمل دؤوب وطويل المدى وكثيرا ما يمر بحالات مد وجزر، وقد استغرق نجاح المقاومة اللبنانية زهاء عشر سنوات دفعت خلالها أكثر من ألف وخمسمائة من الشهداء المقاتلين، ودفع لبنان خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات والبنى التحتية، فما بال بعض العرب يطالب الانتفاضة الفلسطينية بأن تحقق أهدافها ولم يمض بعد على انطلاقتها سوى سنة واحدة ويشيعون بأنها لا تقدر على أن تتحمل عبء الشهداء الذين قاربوا الخمسمائة".

ويقول الكاتب أن هناك ثمة فوارق أساسية تميز الوضع الفلسطيني عن الوضع اللبناني بالنسبة لإسرائيل فيقول "إن حدود تحمل المجتمع الإسرائيلي مهما بلغت تظل أقل من حدود تحمل الشعب الفلسطيني، ولنتذكر أن إيهود باراك فاز بالانتخابات على منافسه رئيس الوزراء آنذاك بنيامين نتنياهو على أساس أنه يحمل مشروعا سياسيا لتنفيذ الانسحاب من لبنان وإيجاد حل نهائي مع الفلسطينيين وسوريا، وسقط لاحقا أمام أرييل شارون لأنه لم ينجز مشروعه إلا جزئيا في لبنان وعجز عن إكماله بالنسبة للفلسطينيين والسوريين".

ويرىالكاتب "من هذه الزاوية يعمل أرييل شارون على استباق إعلان عجزه عن طريق نقل حربه مع الانتفاضة إلى حرب مع السلطة الفلسطينية، ونقل حربه مع «حزب الله» إلى حرب مع سوريا، في محاولة منه للابتعاد عن النموذج اللبناني وتحويل مجرى المواجهة من «حرب العصابات» التي لم يقدر الجيش الإسرائيلي على احتوائها في لبنان ولا في فلسطين إلى «حرب كلاسيكية» بين جيوش نظامية".

ويضيف الكاتب "الحقيقة " ويبدو أن ياسر عرفات يتقن اللعبة الدولية، ولن يكون من السهل على أرييل شارون الخروج عليها. أما سوريا فتقف له بالمرصاد وتحاول منعه من التلاعب بالضوابط الدولية وتوظف ما تتمتع به من علاقات عربية ودولية في هذا الشأن.

الأوراق الرابحة


ستعود كرة النار إلى واشنطن التي ستضطر إلى التدخل لفرض التسوية السلمية على أساس تحرير كل الجولان وتأسيس الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس
وعن سوريا يقول الكاتب "مثلما رعت سوريا ولاتزال «حزب الله»، فهي ترعى ولا تزال الانتفاضة الفلسطينية، فكلاهما يشكلان ورقتين رابحتين في يدها وبهما تفرض على إسرائيل أن تحترم قواعد اللعبة وأن تنفذ في المحصلة القرارات الدولية وتقبل بمقتضيات السلام العادل والشامل. بالطبع الموقف الأميركي الحالي يناسب أرييل شارون والمتشددين في إسرائيل، فهم يعملون على أساس فرض حل عسكري من دون تنازلات سياسية وبغياب أي تدخل أميركي خلال مائة يوم، لكن موقف واشنطن لا يناسب ياسر عرفات ولا سوريا ولا لبنان ولا الدول العربية المعتدلة.

وينتهي الكاتب إلى القول "لقد مرت خمسون يوما من أصل «المائة يوم» التي حددها أرييل شارون لوقف الانتفاضة، وإني على ثقة بأن الخمسين يوما الباقية ستمر والانتفاضة مستمرة. بعدها تعود كرة النار إلى واشنطن التي ستضطر إلى التدخل لفرض التسوية السلمية على أساس تحرير كل الجولان وتأسيس الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس. وستتحول كرة النار إلى كرة تحرير، كما في لبنان".

المصدر :