باريس - وليد عباس
في اليوم الثالث بعد انتهاء انتخابات مجالس البلديات في فرنسا، مازالت نتائج هذه الانتخابات تحتل الصفحات الأولى في الصحف الفرنسية الصادرة اليوم، حيث تتجاوز التعليقات النتائج في حد ذاتها إلى تحليل انعكاساتها على موازين القوى داخل ائتلاف اليسار الحاكم وداخل المعارضة اليمينية.

وفيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط تحتل زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون إلى الولايات المتحدة موقعا بارزا في صفحات الشؤون الدولية، ولكن التحليلات تظل محدودة من حيث الحجم وحذرة من حيث المضمون.


يحاول جوسبان استخلاص دروس هزيمة اليسار التي لا يمكن لانتصاراته في باريس وليون أن تخفيها

لوموند

ظلت صحيفة لوموند في إطار تحليل نتائج الانتخابات وتحت عنوان رئيسي على الصفحة الأولى قالت فيه "جوسبان يواجه هزائم اليسار". ونشرت الصحيفة ملفا مطولا عن هذه النتائج، وتضمن الملف استطلاعا للرأي أفاد أن أغلبية الفرنسيين ترى في نتائج الانتخابات هزيمة للاشتراكيين، ويعتبر نصف المشاركين في استطلاع الرأي أنها انتصار لليمين، كما يتضح أن الناخبين الذين ينتمون إلى الطبقات الشعبية والشباب -ويعتبرون الناخبين التقليديين لليسار- تغيبوا بشكل كبير عن التصويت في هذه الانتخابات.

وقالت الصحيفة "يحاول جوسبان استخلاص دروس هزيمة اليسار التي لا يمكن لانتصاراته في باريس وليون أن تخفيها، ويمنح وزراءه المنتخبين مهلة ثلاثة أسابيع للاختيار بين منصب العمدة الذي فازوا به أو الوزارة."

وتحدثت صحيفة ألفيغارو بدورها في عنوانها الرئيسي عن "الضغوط المتعددة على جوسبان" في إشارة تهكمية إلى تسمية الائتلاف الحاكم "اليسار المتعدد"، ورأت الصحيفة "أن متاعب جوسبان لا تقتصر على السياسة حيث يبدأ موظفو الدولة غدا إضرابا بعد فشل المفاوضات الخاصة بزيادة الرواتب، ذلك أن الحكومة كانت قد تعهدت بالحفاظ على القدرة الشرائية للفرنسيين، ولكنها لم تحدد تاريخا لاتخاذ قرارات بهذا الشأن وأجلت اتخاذ هذه القرارات إلى ما بعد انتخابات البلدية".

وعلى المستوى السياسي نشرت الصحيفة حديثا مع نائب شيوعي يطالب باستقالة أمين الحزب بعد أن خسر الشيوعيون في هذه الانتخابات أغلب المدن التي كانت تعتبر قلاعهم التقليدية، مشيرة إلى مواقف مشابهة لنواب شيوعيين آخرين. كما تحدثت الصحيفة عن موقف "حركة المواطنين" بزعامة وزير الداخلية المستقيل جان بيير شوفنمان والذي غادر حكومة اليسار المتعدد بسبب موقف هذه الحكومة من قضية كورسيكا حيث يعتقد شوفنمان أن تحالف اليسار المتعدد انتهى وأن الاشتراكيين سيمنحون الأولوية لتحالف مع الخضر بعد تقدم هؤلاء في انتخابات البلدية.

ونشرت صحيفة باريزيان بدورها حديثا مع وزير الداخلية المستقيل أكد فيه رفضه لمحور الاشتراكيين/ الخضر, ومعارضته لسياسة الحكومة قائلا "إن عالم العمل في فرنسا يدرك جيدا أن القرار بيد الأسواق المالية وإن الحكومة لم تطرح سياسة اقتصادية وصناعية على المدى الطويل، وعلى هذا الأساس يمكن أن نصف نتائج الانتخابات بأنها تحذير قاس لجوسبان".

وفي توجه مشابه قالت صحيفة لومانيتيي في عنوانها الرئيسي "مهام جوسبان الـ12" في مقابلة مع عنوان إحدى قصص أستريكس المصورة للأطفال، وأكدت الصحيفة أن الفرنسيين ينتظرون ما هو أكثر من الأغلبية المتعددة، وقاموا بتذكير الحكومة برغبتهم هذه بشكل قاس في الانتخابات.

ونشرت الصحيفة مقالا مطولا عن 12 ورشة عمل لم تنته بعد، مؤكدة ضرورة تركيز الحكومة عليها. وتمتد مجالات العمل هذه في واقع الأمر لتشمل مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع الفرنسي بدءا من تحديد الأولويات الاقتصادية ومرورا بقضايا زيادة الأجور والبطالة والتربية والأجانب والمساواة بين الرجل والمرأة والأمن وانتهاء بقضايا البيئة.

ودعت الصحيفة الحكومة لانتهاج سياسة أكثر يسارية بحيث تستطيع استعادة قطاعات من ناخبي اليسار الذين تخلوا عنه.


ربما كان وضع الذات في موضع التساؤل والنقد أفضل ما كان ينبغي أن يحدث لليسار قبل عام واحد من الانتخابات الرئاسية

ليبراسيون

على خلاف بقية الصحف ركزت صحيفة ليبراسيون على ما يحدث في المعسكر المقابل قائلة في عنوانها الرئيسي "اليمين أو أحزاب الفوضى"، حيث تحدثت في ملف خاص عن تصفية الحسابات في صفوف اليمين إثر الانتخابات والصراعات التي بدأت بالفعل حول الانتخابات الرئاسية والانتخابات التشريعية العام المقبل.

وعلقت الصحيفة في افتتاحيتها على انتصار اليمين قائلة: هذه الموجة الزرقاء القادمة من مدن الأقاليم كانت أسوأ ما حدث لليمين الذي كان مستعدا للهزيمة.
وأضافت: بدأ بالفعل بالتفكير في بنى جديدة ووضع فكر وعقيدة سياسية خاصة به قبل أن يفاجئ بنجاحه وبأن فرنسا الريف والأقاليم ما زالت يمينية.
وقالت: بالتالي لم تعد هناك حاجة إلى التغيير، وتم تنحية مشاريع الإصلاح والتغيير، وواصل الرئيس معركته بالأسلوب القديم، بينما جوسبان يستخلص عبر ودروس نتائج الانتخابات ويبحث عن مشروع اجتماعي جديد يكسب به تأييد ناخبي الطبقات الشعبية، وربما كان وضع الذات في موضع التساؤل والنقد أفضل ما يحدث لليسار قبل عام واحد من الانتخابات الرئاسية.

وفيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط كان الحدث الأبرز في صفحات الشؤون الدولية في الصحف الفرنسية اليوم هو زيارة شارون إلى الولايات المتحدة. فقد قالت صحيفة ليبراسيون في عنوان مقالها "شارون في زي حمامة بواشنطن" مشيرة إلى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية يسعى لإقناع الأميركيين بأنه لم يعد داعية الحرب القديم ويختلف عن شارون المسؤول عن مجازر صبرا وشاتيلا.
ونقلت الصحيفة عن مصادر إسرائيلية أن شارون أراد أن يطلب من بوش الامتناع عن استقبال ياسر عرفات طالما أعمال العنف مستمرة في الأراضي الفلسطينية، وأن الرئيس الأميركي أكد على وعده الانتخابي بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، وطالب شارون في الوقت ذاته بوضع حد للحصار الاقتصادي الذي تفرضه إسرائيل على الأراضي الفلسطينية.

وأبرزت صحيفة ليبراسيون قرار البلدية الإسرائيلية لمدينة القدس بالسماح ببناء 3000 مسكن جديد في مستوطنة "هارحوما" الجديدة الواقعة بين القدس الشرقية وبيت لحم بحيث يصبح عدد مساكن المستوطنة 6500 مسكن بهدف استكمال طوق المستوطنات العازل بين الضفة الغربية والقدس الشرقية.
وأشارت الصحيفة إلى الطابع السياسي لهذا القرار حيث يجد المسؤولون عن المستوطنة صعوبات كبيرة في العثور على مستوطنين لاحتلال المنازل التي تم بناؤها بالفعل.


دعم الجمهوريين التقليدي لإسرائيل يتلون بعض الشيء هذه المرة بسبب تخوف البيت الأبيض من أن يؤدي ذلك لموقف عربي ضد الولايات المتحدة

ألفيغارو

وكما ذكرت ليبراسيون في مقالها، قالت صحيفة ألفيغارو في عنوان مقالها "شارون يبحث عن حليف في واشنطن". ذلك أن الأميركيين والإسرائيليين لا ينتظرون أن تؤدي زيارة شارون للعاصمة الأميركية إلى إطلاق عملية السلام أو تخفيف التوتر في المنطقة, والهدف من اللقاء بين الطرفين يقتصر على عملية تعارف بين رئيس أميركي منذ شهرين ورئيس حكومة إسرائيلية منذ أسبوعين.

ورأت الصحيفة أن "دعم الجمهوريين التقليدي لإسرائيل يتلون بعض الشيء هذه المرة بسبب تخوف البيت الأبيض من أن يؤدي ذلك لموقف عربي ضد الولايات المتحدة، بينما تظل الأولوية المطلقة للإدارة الأميركية الجديدة هي توحيد العرب المعتدلين ضد صدام حسين, وذلك في ظل انعقاد قمة عربية في عمان الأسبوع المقبل".

وتابعت ألفيغارو: ويؤدي الخوف من أزمة في الطاقة خلال الصيف المقبل إلى حرص إدارة بوش على مصالحها النفطية، وإذا كان كولن باول قد أكد المبدأ القائل بأن علاقات الولايات المتحدة مع إسرائيل صلبة كالصخر، فإنه أكد أيضا أن بلاده لا تمتلك وصفة سحرية بالنسبة للمفاوضات مع الفلسطينيين.

المصدر : الصحافة الفرنسية