الصوملة..مستقبل أفغانستان المضمون!
آخر تحديث: 2001/12/3 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1422/9/16 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2001/12/3 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1422/9/16 هـ

الصوملة..مستقبل أفغانستان المضمون!


الدوحة - الجزيرة نت
أكد الكاتب الإسلامي فهمي هويدي في مقاله بصحيفة الشرق الأوسط الصادرة في لندن اليوم أن الفوضى ستكون عنوان المستقبل في أفغانستان التي أصبحت مرشحة بامتياز لعملية "الصوملة", مشيرا إلى أن الفشل سيلحق بمؤتمر بون حتى وإن تدخلت أميركا لكي يحقق بعض النجاحات التي تحفظ ماء الوجه لأن مصيره الانهيار بمجرد العودة لكابل.


مصطلح "الفوضى" سيكون أكثر العناوين المرشحة للمستقبل المنظور في أفغانستان الأمر الذي يدعوني إلى القول بأن ذلك البلد البائس مرشح بامتياز "للصوملة"، سواء بالمعنى الاصطلاحي أو اللغوي
وفي هذا الصدد يقول هويدي لعل مصطلح "الفوضى" يكون أكثر العناوين المرشحة للمستقبل المنظور في أفغانستان، الأمر الذي يدعوني إلى القول إن ذلك البلد البائس مرشح بامتياز "للصوملة"، سواء بالمعنى الاصطلاحي أو اللغوي. فالصوملة اصطلاحا تطلق على البلد حين تغيب السلطة المركزية فيه، ويصبح مصيره موزعا بين أمراء الحرب، كما هو الحاصل في جمهورية الصومال الراهنة، التي هي دولة بلا حكومة. أما الصوملة لغة فهي تطلق على حالة المجاعة، وفي قاموس "المنجد" يقال صومل الرجل بمعنى جف جلده جوعا. ومختلف الدلائل تشير إلى أن ذلك البلد الذي ضربه الجفاف منذ سنين، وأنهكه الاقتتال منذ عقدين بصدد مواجهة مأساة إنسانية في الشتاء المقبل.

المشكلة الأساسية
وبعد أن يستعرض الكاتب المشاركين الأساسيين في مؤتمر بون ووزنهم العرقي والسياسي والانتكاسات التي تعرض لها المؤتمر الذي مازال منعقدا حاليا, يقول إن المشكلة الأساسية التي تواجه المؤتمر هي غيبة التوافق في الأهداف والمصالح بين المشاركين فيه، أفغانا كانوا أم غير أفغان.

ثم يشرح الكاتب ذلك فيقول إن الثقة معدومة بين أطراف التحالف الشمالي، الذي ضم عددا من الخصوم الألداء، الذين لم يتفقوا على شيء سوى معارضتهم لنظام طالبان، الذي طرد الجميع من كابل عام 1996. فالمعركة الأساسية بعد خروج السوفيات من أفغانستان كانت بين حكمتيار (بشتوني) ورباني وأحمد شاه مسعود (من الطاجيك) والاثنان لا يثقان في الجنرال عبد الرشيد دوستم الأوزبكي والشيوعي السابق، وهو المدعوم من حكومة أوزبكستان. ثم هذا الأخير خصومته مع الجنرال إسماعيل خان المهيمن على هيرات، وكان دوستم قد خانه في السابق وسلمه إلى طالبان، لكنه هرب من سجنهم. وهؤلاء جميعا من أهل السنة (أحناف متعصبون) وليسوا على وفاق مع حزب الوحدة الشيعي، الذي طالب بوجود قوات دولية في كابل تحمي الشيعة الذين يعيشون فيها ويهيمنون على التجارة، لأنهم ليسوا مطمئنين إلى قوات التحالف الشمالي الموجودة في العاصمة.


أطراف التحالف الشمالي الذي ضم عددا من الخصوم الألداء لم يتفقوا على شيء سوى معارضتهم لنظام طالبان الذي طرد الجميع من كابل عام 1996

ويستطرد حول هذه الخلافات فيقول قيادة التحالف ليست مطمئنة إلى دور للملك محمد ظاهر شاه. والاتفاق منعقد بين رباني وحكمتيار حول موقفهم من الملك، حيث يعتبر الاثنان أنهما لم يناضلا كل تلك السنوات، لكي يسلموا السلطة في النهاية إلى الملك الذي تقدم به العمر، ولن يباشر شيئاً في السلطة، وانما أعوانه وأحفاده هم الذين سيباشرون كل شيء باسمه. وقد أعلن رباني ذلك الرفض صراحة.

ويشرح انعدام الثقة أيضا بين لاعبين آخرين في المشهد الأفغاني فيقول "بينما تؤيد روسيا والهند وإيران التحالف الشمالي فإن باكستان ليست على ثقة كبيرة فيه، وواشنطن تؤيدها في ذلك، بينما حماسها أكبر للملك ظاهر شاه.

تجانس طالباني
ويعود الكاتب للحديث حول انعدام الثقة بين فصائل الجهاد الأفغاني أيام حرب الروس وكيف أن طالبان أوجدت التجانس فيقول ثمة تفعيلات كثيرة أخرى تعكس التباينات بين الفصائل الأفغانية المختلفة، وكلها تشير إلى تضاؤل مساحة المشترك بينها في رؤية المستقبل، ناهيك عن المشترك بينها في التركيبة العرقية والمصالح والتطلعات.

ويضيف أن الذين تابعوا العلاقة بين فصائل الجهاد الأفغاني بعد خروج السوفيات وتشكيل المجلس الجهادي الإسلامي عام 1992م، يلاحظ أن هذه العلاقة لم يكتب لها الاستقرار، إلا بعدما استولت قوات طالبان على كابل عام 1996م، وذلك أن توازن القوى وانعدام التجانس بين قادة تلك الفصائل جعل من المتعذر على أي فصيل أن يحسم الأمر لصالحه وأن يحقق الإجماع من حوله. وحين تقدمت قوات طالبان فإن التجانس كان قائما بينها، سواء بحكم الخلفية الثقافية الواحدة لعناصرها، أو بحكم أن أغلبية تلك العناصر تنتمي إلى عرق البشتون، ثم إن قواتها حين خرجت من قندهار استقبلت بترحيب من الناس الذين كانوا قد ضاقوا ذرعاً باقتتال فصائل المجاهدين، وفي الوقت نفسه فإن الدعم العسكري الباكستاني وفر لها قدرة مكنتها من دحر القوات المناوئة لها.


إذا نجح مؤتمر بون في تشكيل حكومة أفغانية تحت الضغط الأميركي والدولي فإن هذه الحكومة ستظل موصومة بكونها مفروضة من الخارج وسيكون ذلك عنصرا إضافيا يسهم في الإسراع بانهيارها
ويصل الكاتب إلى النتيجة التي طرحها في البداية فيقول بضرب طالبان وتدمير قدرتها القتالية عادت أفغانستان إلى الحالة التي كانت عليها قبل عامي 1994 و1996. وبالتالي برزت لدى كل فصيل التطلعات التي ظلت كامنة منذ ذلك الحين، وبعد الخروج من العاصمة عام 1996. وإزاء التدخلات الخارجية من جانب الدول المجاورة لدعم هذا الفصيل أو ذاك، فإن احتمالات الفوضى في البلاد تغدو قوية إلى حد كبير، ورغم أن الولايات المتحدة وبريطانيا مهتمتان بالوضع هناك الآن، إلا أن ذلك الاهتمام سوف يتراجع إلى حد كبير إذا تمكنت الدولتان من قتل الملا محمد عمر وأسامة بن لادن، والقضاء على أتباعهما، حيث لن تجدا آنذاك مبررا للانخراط في الصراعات الأفغانية الداخلية.

ويؤكد هويدي في الختام أنه في أحسن الفروض، فإذا نجح مؤتمر بون في تشكيل حكومة أفغانية تحت الضغط الأميركي والدولي فإن هذه الحكومة ستظل معصومة بكونها مفروضة من الخارج، وسيكون ذلك عنصرا إضافيا يسهم في الإسراع بانهيارها، والعودة إلى حالة الانفراط مرة ثانية، بما تستصحبه من اقتتال وتوخ، واقتراب حثيث من النموذج الصومالي.

المصدر :