إسطنبول - نوزات صواش
اهتمت الصحافة التركية الصادرة اليوم بالاضطرابات الشعبية التي اجتاحت الأرجنتين بسبب الأزمة الاقتصادية الطاحنة، وحفلت بالمقارنات بين كل من الاقتصاد التركي والأرجنتيني, محذرة في الوقت نفسه من احتمال اندلاع أزمات اجتماعية مماثلة في تركيا.

انهيار الاقتصاد الأرجنتيني
تناولت صحيفة أقشام تداعيات المظاهرات الأخيرة التي حدثت في الأرجنتين بسبب الإفلاس الاقتصادي وما أعقب ذلك من تطورات في صفحتها الأولى في العنوان الرئيسي حيث قالت "الأرجنتين تبكي" مضيفة "لقد جن جنون الشعب الذي اختنق تحت أثقال الأزمة المالية وخرج الآلاف إلى الشوارع احتجاجا على سياسات الحكومة التقشفية، وحطمت نوافذ محلات تجارية وبنوك بينما لقي 26 شخصا مصرعهم وجرح ما يزيد عن 250 أخرون، كما تم اعتقال حوالي 2000 متظاهر، واشتبكت مجموعات من الشبان مع الشرطة في مواجهات عنيفة. في غضون ذلك استقال وزير اقتصاد البلاد دومينغو كافالو كما استقال أعضاء الحكومة، وأعقب ذلك استقالة الرئيس الأرجنتيني فرناندو ديلاروا.. وخرجت الأوضاع عن نطاق السيطرة تماما".

صندوق النقد الدولي


انهارت الأرجنتين التي وقعت في أكبر أزمة تخلف عن سداد ديون في التاريخ أمام أنظار العالم حيث لم يمد صندوق النقد الدولي يد المساعدة إليها في وقت تعاني فيه من فقر مدقع وديون باهظة ومستنقع من الفساد

دنيا

واعتبرت كل من صحيفة راديكال ودنيا صندوق النقد الدولي المسؤول الأول عن الكارثة حيث أعلنت دنيا النبأ في المانشيت الرئيسي "انهيار على مرأى ومسمع من العالم" وقالت "انهارت الأرجنتين التي وقعت في أكبر أزمة تخلف عن سداد ديون في التاريخ أمام أنظار العالم حيث لم يمد صندوق النقد الدولي يد المساعدة إليها في وقت تعاني فيه من فقر مدقع وديون باهظة ومستنقع من الفساد. أخيرا نفد صبر الشعب الذي كان يئن بين مخالب الفقر منذ سنوات فثارت ثائرته، وتبع ذلك استقالة الحكومة التي لم تستطع الصمود أمام ردود الفعل العنيفة. واضطر وزير الاقتصاد دومنغو كافالو المتهم بالفشل في إخراج الاقتصاد من الأزمة إلى الاستقالة، كما منع من مغادرة البلاد.

أما صحيفة رادكال فقد قالت في افتتاحيتها تحت عنوان "صندوق النقد الدولي هو سبب غرق الأرجنتين" يرجع المراقبون سبب الأزمة الأخيرة إلى صندوق النقد الدولي حيث لم يفرج للأرجنتين عن المبلغ الذي كان من المقرر أن يفرج عنه هذا الشهر والمقدر بـ1.3 مليارات دولار. وكان الصندوق قد طالب الأرجنتين بالتخلي عن نظام سعر الصرف الثابت للعملة الوطنية أمام الدولار واللجوء إلى تعويمها، الأمر الذي رفضته الحكومة والذي قاد الصندوق إلى إيقاف صرف القروض المقررة للأرجنتين.

وتحت عنوان "كان بؤبؤ عين صندوق النقد الدولي" عرضت زمان صورة للأزمات المالية التي مرت منها الأرجنتين في العقود الأخيرة حيث كانت نسبة التضخم عام 1989 تفوق 20%، ولكنها استطاعت أن تخفض هذه النسبة عام 1995 إلى %2 باتباع مشاريع مشتركة مع صندوق النقد الدولي الذي كان قد حث الأرجنتين آنذاك على تطبيق نظام الصرف الثابت للعملة أمام الدولار، حيث تم محو أربعة أصفار من العملة الوطنية وسويت مع الدولار حتى أصبح البيزو الواحد يساوي دولارا واحدا.

وقد اقترح الصندوق العام الماضي على تركيا تطبيق نظام الصرف الثابت عندما وقعت في أزمة اقتصادية طاحنة مع إشارة إلى الأرجنتين كنموذج أثبت نجاح ذلك النظام، ولكن عندما ظهرت بعض أضراره في السوق المالية طلب من الحكومة التركية أن تتخلى عنه وتعوم الليرة أمام الدولار، الأمر الذي أدى إلى ارتياح في الأسواق المالية التركية وانخفاض في قيمة الدولار أمام الليرة. وكان قد طلب الصندوق من الأرجنتين أن تعوم عملتها في إطار خطة إصلاحية لكنها رفضت ذلك، مما أدى إلى تخلي الصندوق عنها وتركها وشأنها.

مقارنة بين تركيا والأرجنتين


هناك بعض نقاط الشبه، بين تركيا والأرجنتين, فكلاهما تقومان بتطبيق خطة اقتصادية وضعها صندوق النقد الدولي, ولكن علينا ألا ننسى أن هناك فروقا مهمة أيضا

عثمان أرولت - دنيا

كما حفلت الصحف التركية بالمقالات والتحقيقات التي أخذت تقارن بين الأزمة الاقتصادية التركية والأرجنتينية وأوجه الشبه والفروق بينهما واحتمال تعرض تركيا لنفس العاقبة المأساوية. وفي هذا الإطار كتب عثمان أرولت في صحيفة دنيا مقالا تحت عنوان "نحن والأرجنتين" قال فيه "أجل هناك بعض نقاط الشبه، منها أن كلاهما تقومان بتطبيق خطة اقتصادية وضعها لهما صندوق النقد الدولي. ولكن علينا ألا ننسى أن هناك فروقا مهمة أيضا. فالنظم السياسية مختلفة، والبرامج الاقتصادية مختلفة، كما أن النتائج التي حصلوا عليها متباينة، إضافة إلى اختلاف وجهة نظر الشعبين إلى العالم ومعالجته للأزمات".

واستمر الكاتب قائلا "نقطة شبه أخرى هي نوعية الأشخاص الذين تم استدعاؤهم في كلا الدولتين لإنقاذ البلاد من أزمة مالية، فقد نصبت الأرجنتين دومينغو كافالو -الرجل الذي أنجز إصلاحات اقتصادية كبيرة في التسعينيات- وزيرا للاقتصاد، بينما استدعت تركيا كمال درويش من أميركا في نفس الوقت للقيام بنفس الدور. غير أن الحكومة الأرجنتينية لم تنجح في تأمين الاستقرار السياسي في البلاد، بينما نجحت تركيا في ذلك. وأخيرا رفض كافالو بإصرار التخلي عن سعر الصرف الثابت للعملة الوطنية أمام الدولار، وتزامن ذلك مع هجمات 11 سبتمبر/ أيلول التي أدخلت البلاد في مأزق اقتصادي صعب". وخلص الكاتب إلى القول "أهم فرق بيننا وبين الأرجنتين هو موقع تركيا الإستراتيجي الذي ظهر جليا بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول الماضي" مشيرا إلى أنها كانت لصالح الاقتصاد التركي، بينما أنزلت ضربة قاصمة على الاقتصاد الأرجنتيني.


لقد ثبت مرة أخرى صحة السياسات الاقتصادية التي نطبقها في تركيا في ظل النموذج الأرجنتيني

صباح

وأوردت صحيفة صباح تعليقات وزير الاقتصاد التركي كمال درويش حول الأوضاع الأرجنتينية حيث قال "لقد ثبت مرة أخرى صحة السياسات الاقتصادية التي نطبقها في تركيا في ظل النموذج الأرجنتيني. أكبر خطأ وقع فيه كافالو هو إصراره على نظام سعر الصرف الثابت للعملة الوطنية. وما حدث هناك أظهر للجميع مدى صحة تخلينا عن سعر الصرف الثابت، لقد طبقت تركيا برنامج صندوق النقد الدولي حرفيا فحققت النجاح" كما أكد درويش أن نهاية الأوضاع في تركيا لا يمكن أن تكون مثل الأرجنتين.

وفي السياق ذاته نقلت صحيفة حريت تصريحات درويش حيث أكد أن الأزمة الاقتصادية أتاحت لتركيا فرصة ذهبية لكي تقوم بإنجاز إصلاحات جذرية في هيكلة بعض القطاعات الهامة. وردا على سؤال فيما إذا كان الصندوق النقد الدولي يشعر بالمسؤولية إزاء الأحداث التي وقعت في الأرجنتين قال مدير العلاقات الخارجية للصندوق "الواقع أن الحكومة الأرجنتينية أرادت تطبيق البرنامج الذي كانت تؤمن به".


الأزمة الاقتصادية أتاحت لتركيا فرصة ذهبية لكي تقوم بإنجاز إصلاحات جذرية في هيكلة بعض القطاعات الهامة

حريت

وفي إطار البحث عن احتمال اندلاع اضطرابات اجتماعية مماثلة في تركيا بسبب الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها منذ سنة تقريبا أكدت صحيفة يني شفق أن ذلك غير ممكن لعدة أسباب، منها: طبيعة الأسرة التركية التي يقوم أفرادها بمساعدة أقربائهم إذا ما وقعوا في ضيق، والتكافل الاجتماعي الذي يتم عن طريق توزيع الزكاة والصدقات والإعانات المالية في شهر رمضان والأعياد والمناسبات الأخرى، والخيام الخيرية التي تقيمها البلديات لإطعام الفقراء والمحتاجين، وشعور التوكل على الله واحترام المواطن لسيادة الدولة.. إضافة إلى هجمات 11 سبتمبر/ أيلول حيث زادت أهمية تركيا الإستراتيجية، وتبع ذلك عقد اتفاقية إضافية بين صندوق النقد الدولي وتركيا على أن يصرف إليها عشرة مليارات دولار إضافية.

المصدر : الصحافة التركية