حوارنا مع أنفسنا جهادنا الأكبر
آخر تحديث: 2001/11/5 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1422/8/19 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2001/11/5 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1422/8/19 هـ

حوارنا مع أنفسنا جهادنا الأكبر

الدوحة - الجزيرة نت
دعا المفكر والكاتب الإسلامي فهمي هويدي في مقاله الأسبوعي بصحيفة الشرق الأوسط الصادرة اليوم إلي حوار عربي عربي وإسلامي إسلامي مؤكدا أن ذلك هو الجهاد الأكبر وأن الحوار مع الغرب هو الجهاد الأصغر.

واعتبر هويدي أن هذا موسم الدعوة إلى الحوار مع الآخر، إذ منذ بدأت الحملة العسكرية الأميركية على أفغانستان نشطت بشكل مواز دعوات الحوار مع الأطراف الغربية تارة ومع غير المسلمين تارة أخرى، وهي دعوات لا يخلو بعضها من براءة وصدق، بينما يشتم المرء من بعضها الآخر أنها محاولات للتسكين أو امتصاص غضب المثقفين، أو استكشاف مواقفهم والتعرف على آرائهم وملاحظاتهم لكي تتم التعبئة السائدة للحملة العسكرية على نحو أفضل.

تأثير الإعلام


لقد انتهى العهد الذي كانت الجهات المعنية تستطيع فيه السيطرة على الإدراك العام عن طريق المنع والإجازة والتعتيم على ما تشاء وتسليط الأضواء على ما تشاء
المراسلون الصحافيون الذين يعملون لحساب الصحف العربية والغربية عرباً كانوا أم أجانب، نقلوا الصورة كما هي في أغلب الأحوال من دون تدخل في حظوظ الأشرار والأخيار، كما أنه يحسب لقناة "الجزيرة" أنها نقلت بقدر معتبر من الحياد وجهات نظر الطرفين ووضعتهما بين يدي المشاهد لكي يعرف قبل أن يحكم أو يتحيز.

وأضاف لقد انتهى العهد الذي كانت الجهات المعنية تستطيع فيه السيطرة على الإدراك العام عن طريق المنع والإجازة والتعتيم على ما تشاء وتسليط الأضواء على ما تشاء. وإزاء انكشاف الساحة على ذلك النحو فإن التنافس على كسب الرأي العام صار أشد، ولا شك في أن مسارعة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير إلى الرد تلفزيونياً وكتابة على البيان الذي بثه أسامة بن لادن عبر محطة "الجزيرة" تعد دليلاً قوياً على أهمية البث الإعلامي وإدراك المسؤولين في الدول بأن تصريحاتهم وبياناتهم لم تعد وحدها التي تشكل الرأي العام، وأن هناك عناصر أخرى تسهم بقدر أكبر في ذلك التشكيل، ومن ثم فعليهم أن يستخدموها ويتفاعلوا معها سواء لكي يصلوا إلى عقول الجماهير أو لكي يصوبوا الانطباعات التي يتركها البث المتعدد في مداركهم.

نقاط الحوار
ثم تطرق الكاتب إلى أهمية التوجه إلى قادة

الرأي في العالم العربي والإسلامي الذين يصنفون في مربع الاعتدال وطالبهم بإلحاح من أجل الحوار في عدة أمور:

* حول فكرة صراع الحضارات واحتمالات تصادمها أو تفاهمها.
* حول الموقف من الغرب وثقافته ومشروعه.
* حول دور الأقليات المسلمة في مجتمع غير مسلم.
* لتحرير المشترك والمختلف عليه بين المسلمين والمسيحيين.
* لمناقشة صورة الإسلام في الغرب والعكس!

وتحدث الكاتب عن أهداف المؤسسات الغربية والعربية التي تتبنى الدعوة إلى الحوار فيقول إن لهذه الدعوات أهدافاً متعددة، تتراوح بين البراءة ونقيضها، ولا تتوفر للمرء دائماً إمكانية تحديد طبيعة تلك الأهداف، على الأقل قبل المشاركة في الحوار والاستماع إلى ما يطرح فيه من أسئلة وما يلقى من أجوبة، لكن أجد مثل هذه الحوارات معنية دائماً من حيث إنها إذا لم تساعد على تقريب وجهات النظر بين المشاركين، فإنها تهيئ الفرصة لكي يفهم الواحد منا كيف يفكر الآخرون وكيف يعبرون عن أنفسهم.

ثم يوضح الكاتب أن ما يهمه في الدعوة للحوار لا يتعلق بالحوار بين الحضارات ولا بالحوار الإسلامي المسيحي، وإنما يتعلق بالحوار العربي العربي والإسلامي الإسلامي بوجه أخص، لأنه استنتج من خلال لقائه مع المثقفين العرب والإسلاميين أن الخلاف الإسلامي الإسلامي في عمق وحدة الخلاف العلماني الإسلامي.

عناوين الخلاف


إننا مختلفون في مجمل النظر إلى الآخر الغربي بوجه عام، وهل الأساس في العلاقة هو القبول والتعايش أم النفور والاشتباك، كما أننا مختلفون أيضا على تكييف ما يجري وهل هو عدوان يستحق التجريم أم أنه جولة في حرب معلنة لها أفعالها وردود أفعالها
ويستعرض الكاتب أوجه الخلاف فيقول إننا مختلفون في مجمل النظر إلى الآخر الغربي بوجه عام، وهل الأساس في العلاقة هو القبول والتعايش أم النفور والاشتباك، كما أننا مختلفون أيضا على تكييف ما يجري وهل هو عدوان يستحق التجريم أم أنه جولة في حرب معلنة لها أفعالها وردود أفعالها، وهل هو صراع بين الإسلام والكفر أم انه صراع مصالح وصراع حضاري، كما أننا مختلفون أيضاً على حدود وطبيعة المواطنة، وما هي حدود التزامات المسلم في مجتمع غير مسلم، والعكس، وما هو موقف المسلم من الحرب غير العادلة سواء تلك التي يشنها بلد مسلم على بلد مسلم آخر أو تلك التي تنشب بين بلد غير مسلم وآخر مسلم.

ويضيف الكاتب: لاحظت أيضاً أن الخلاف امتد إلى تشخيص الأزمة الراهنة، الأمر الذي استتبع خلافاً آخر على المربع الذي ينبغي أن يقف فيه المسلمون في الوقت الراهن، وإن أدركت أن ذلك الخلاف واقع بين الإسلاميين والإسلاميين، وأن هناك خلافاً آخر مماثلا على أمور أخرى بين الإسلاميين والعلمانيين، فإنني أشفقت على مستقبل أمتنا وخشيت أن تتضاءل فرص تفاؤلنا بذلك المستقبل إذا استمرت تلك الخلافات تراوح مكانها.

لب الأزمة
ثم يكشف الكاتب عن لب الأزمة فيقول يتمكن الشعور بالأزمة من الواحد منا حين يلاحظ أن جسور الحوار ممتدة، وفرصه متاحة كل حين مع الأغراب الأبعدين، بينما هي متعثرة أو مقطوعة مع الأشقاء الأقربين، وهذا الانسداد في قنوات الحوار الداخلي له خطورته البالغة على مستقبل العمل العام، حتى أزعم أنه أحد مصادر التطرف الموجود في مجتمعاتنا، لأن حبال الحوار حين تنقطع وتجد الأطراف المختلفة أنها تحدث نفسها بأكثر مما تحاور الآخرين، فإن ذلك يغدو باعثاً على الانكفاء وعلى تغيير صورة الآخر ونفي فكرة وجوده بمضي الوقت، وكما لا يخفى فتلك ظروف وأجواء مواتية تماماً للشطط والانحراف.


إننا لن نستطيع أن نتقدم إذا ظل حوارنا مقصوراً على غيرنا دون أن نقطع شوطاً في الحوار مع أنفسنا، ومن أسف أن خبراتنا المتعاقبة أثبتت لنا أن الأولى أيسر من الثانية
ويخلص الكاتب إزاء هذه الأزمة إلى القول: إنه لا حل لها إلا بفتح النوافذ والأبواب ورفع القيود المفتوحة على منابر التعبير، لا لكي يتنفس الناس هواء صحياً ومنعشاً فحسب، ولا لكي يقتنع الجميع بأن ثمة أملا في تغيير الواقع والنهوض به واستخدام الوسائل السلمية دون حاجة إلى عنف من أي نوع، ولكن أيضاً لتوفير قدر من الإجماع القومي على القضايا المصيرية من شؤون الأوطان إلى شجون الأمة.

ويخلص الكاتب في ختام مقاله بالقول: إننا لن نستطيع أن نتقدم إذا ظل حوارنا مقصوراً على غيرنا دون أن نقطع شوطاً في الحوار مع أنفسنا، ومن أسف أن خبراتنا المتعاقبة أثبتت لنا أن الأولى أيسر من الثانية، وأن جهادنا مع الأولين هو الأصغر أما جهادنا مع إخوتنا الأقربين فهو الأكبر.

المصدر :