طالبان.. نظام غير قابل الحياة
آخر تحديث: 2001/11/22 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1422/9/7 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2001/11/22 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1422/9/7 هـ

طالبان.. نظام غير قابل الحياة


الدوحة - الجزيرة نت
وصف عبد الهادي بوطالب في مقاله بصحيفة الشرق الأوسط الصادرة اليوم في لندن نظام طالبان بأنه غير قابل للحياة وأن مصيره في أفضل الأحوال هو الوضع الذي انتهت إليه جمهورية الشيشان بعد أن تحولت إلى حرب عصابات تذكر فقط بوجودها من خلال بعض الهجمات .

مصير محتوم


لن يكون لحركة طالبان في أفضل الظروف إلا الوضع الذي انتهت إليه جمهورية الشيشان بعد تحولها إلى حرب عصابات تُذكّر فقط بوجودها من خلال هجمة منفردة تشنّها في فترات متقطعة ثم لا تلبث بعدها إلا أن يطويها النسيان
وفي المقدمة الاستهلالية يقول بوطالب إن نظام طالبان، يوشك أن يدخل في خبر كان، خاصة بعد أن انحسر حكمه عن مدن أفغانستان بما فيها مزار الشريف، وجلال آباد، والعاصمة كابل، وبعد محاصرته في آخر معاقله وحصونه بمدينة قندهار، وتحول مقاومته إلى حرب عصابات قابعة في الكهوف، أو مسلحة في الجبال، فاقدة المناعة. مؤكدا أن حربا كهذه لن تعيد هذا النظام إلى موقع السلطة في كابول، لأن حرب العصابات قد تنجح لأخذ السلطة إذا التجأ إليها شعب لنصرة قضية عادلة على مستعمر أو غاصب، ولكن لا ينجح بها في العودة إلى السلطة بعد العجز عن الاحتفاظ بها نظام مخذول أو دولة مهزومة.

وفي إشارة سريعة لمستقبل طالبان قال لن يكون لحركة طالبان في أفضل الظروف إلا الوضع الذي انتهت إليه جمهورية الشيشان بعد تحولها إلى حرب عصابات تُذكّر فقط بوجودها من خلال هجمة منفردة تشنّها في فترات متقطعة ثم لا تلبث بعدها أن يطويها النسيان. ويستطرد مؤكدا فكرته "ليس الغريب أن يسقط نظام طالبان، ولكن الغريب أن يعيش خمس سنوات عجافا بينما لا يحمل في طياته عناصر البقاء والاستمرار. إنه نظام غير قابل للحياة سواء من حيث تصوراته وتطبيقاته، أو من حيث تصرفاته العشواء التي كانت تمارَس على غير هدى وبدون حساب".

دروس وعبر
وبعد هذه المقدمة انتقل الكاتب إلى استعراض العبر والدروس التي يجب استخلاصها من مأساة طالبان فأجملها على النحو التالي :


الحكم الذي ينغلق على نفسه انغلاق الحلزون، ويجهل أو يتجاهل موجة التغيير التي تكتسح الدنيا اليوم، فهو معرض في كل لحظة للانهيار إما بفعل داخلي، أو خارجي، أو بانفجار ذاتي، ومهدد في كل وقت وحين بالانقراض والزوال
* ضرورة تأقلم الحكم في عالمنا الجديد مع ما تفرضه مقتضيات التغيير الشامل الذي يخترق المجتمعات ويصوغها صياغة جديدة. أما الحكم الذي ينغلق على نفسه انغلاق الحلزون، ويجهل أو يتجاهل موجة التغيير التي تكتسح الدنيا اليوم، فهو معرض في كل لحظة للانهيار إما بفعل داخلي، أو خارجي، أو بانفجار ذاتي، ومهدد في كل وقت وحين بالانقراض والزوال.

ويشرح ذلك فيقول لم يعد ممكنا في عالم مفتوح مرتبطٍ بعضه ببعض بشبكات المواصلات والاتصال الحديثة، أن يرفض نظام سياسي أينما كان موقعه الجغرافي واقع النظام العالمي الجديد جملة وتفصيلا، وأن يُصدِر أحكام التكفير والرّدّة والفسوق على عالم التطور والحداثة بما فيه من خير أو شر، وأن يتقوقع هذا النظام منفرداً عن العالم في قلعة مهما أحكمَ تحصينَها ليجعل منها سجناً مغلقاً لشعبه يمثل عهود العصر الحجري بينما العالم يعيش في القرن الحادي والعشرين، وأن يُعمي بصرَه ويُغلق أذنه عن ملاحظة مسيرة التاريخ وهي شاخصة للعيان.

* ضرورة ترك المجازفة بادعاء قدرة نظام من هذا النوع على أن يقدم للعالم مشروع نظام سياسي يتخيّله صالحا لأن يكون نمط حياة بديلا عن النظم الحاضرة الجاهزة. وقد كان نظام طالبان يواجه العالم بهذه الدعوى ويدعو إلى أن يعم نظامه على الأقل العالم الإسلامي كمرحلة ممهِّدة لقيامه بديلا عن النظم العالمية القائمة.

ويضيف الكاتب في عصر انتشار نظام الحريات وإحقاق حقوق الإنسان بما فيها حق المرأة والطفل وانخراط العالم من أدناه إلى أقصاه في منظومة الاتصال الإعلامي، كان نظام طالبان لا يتوفر إلا على محطة إذاعية لا تبث إلا ساعة واحدة في طلوع الفجر، وأخرى في وسط النهار، وثالثة في المساء، وكان النظام الطالباني يحرم البث التلفزيوني، ولا توجد به صحافة ولا جمعيات، ويَفرض على المرأة أن لا تخرج من بيتها، ويَحرم الفتاة من غشيان المدارس، ويحصر العلم والثقافة في نوع خاص من المعرفة لا يكفي وحده لمصارعة الحياة الجديدة. وكان النظام في كلمة واحدة نظام


كان مفهوما أن تستقبل حكومة طالبان بن لادن كلاجئ سياسي، وأن تشترط عليه أن لا يمارس فوق ترابها أو منه أي عمل عدواني, لكنها فوق أنها وفرت له العيش الهنيء وآمنته من خوف، ذهبت إلى أخطر من ذلك دون حساب للعواقب
قمع وكبت وتجهيل تؤلف مسيرته شذوذاً صارخاً عن مسيرة التاريخ، لأنه بكلمة جامعة يعيش خارج العصر.

بن لادن كلاجيء
ويشرح الكاتب كيف وصلت الأمور بطالبان إلى هذا الحد فيقول: كان يمكن أن يكون مفهوما أن تستقبل حكومة طالبان بن لادن كلاجئ سياسي، وأن تشترط عليه أن لا يمارس فوق ترابها أو منه أي عمل عدواني على الغير، مهما ضعف وهان شأنه. لكنها فوق أنها وفرت له العيش الهنيء وآمنته من خوف، ذهبت إلى أخطر من ذلك دون حساب للعواقب عندما تركته يُجيّش فوق ترابها قواته ويدربها بمساعدة منها. وهذا غير مفهوم من حكومة مسؤولة، ولا يمكن أن يكون حسابه إلا من النوع الخاطئ المؤدي إلى أوخم العواقب.

ويعتقد الكاتب أنه حتى بعد أحداث 11 سبتمبر كان من الممكن تدارك الأمر من جانب طالبان بأن تطرح حلا سياسياً توافقياً توفر به لضيفها شروط محاكمة عادلة في بلد محايد، لكنها فضلت سياسة العناد والرفض، ووقفت تتفرج مطمئنة إلى تصريح بن لادن المعلِن للجهاد المستمر ضد الولايات المتحدة، وبذلك أظهر النظام الطالباني عجزه عن تدبير الأزمات بالأسلوب المعاصر.


آمل أن تراجع الحركات الإسلامية المتشددة خطابها السياسي، وأن تُرشِّده ليصبح خطاباً قادراً على التأثير والإقناع، مُعْطياً عن الإسلام صورة مشرقة
ويؤكد الكاتب أن نظام طالبان أخطأ الحساب عندما راهن على هزيمته للولايات المتحدة على غرار هزيمة الاتحاد السوفياتي وهو قياس مع وجود الفارق الكبير، لأن الاتحاد السوفياتي انهزم في أفغانستان وهو يلفظ آخر أنفاسه في طريقه إلى الانهيار، وخرج من أفغانستان بعد أن أصبح عاجزاً عن خوض الحروب الساخنة والباردة، أما الولايات المتحدة فالمراهنة على هزمها وهي في أوج عظمتها مراهنة خاسرة بجميع المقاييس.

ترشيد الخطاب
ويخلص بوطالب إزاء هذا المصير الذي انتهت إليه طالبان بالقول " آمل أن تراجع الحركات الإسلامية المتشددة خطابها السياسي، وأن تُرشِّده ليصبح خطاباً قادراً على التأثير والإقناع، مُعْطياً عن الإسلام صورة مشرقة هي صورته الحقيقية، خطابا يبشر بالإسلام بالحكمة ولا يُنفِّر منه".

المصدر :