الدوحة - الجزيرة نت
ألقى زين العابدين الركابي في مقاله بصحيفة الشرق الأوسط الصادرة اليوم باللوم على القيادات الأفغانية التي أضاعت أفغانستان بين الحلول العاقلة والمجنونة وفرطت في فرصة تاريخية سياسية نادرة، تهيأت لها بعد انسحاب الجيش السوفياتي مهزوما من بلادها، في أعقاب كفاح طويل ومرير.


أضاع قادة أفغانستان فرصة تاريخية بسبب فقدان الرؤية، والتناحر الملتهب، وتقديم ما هو حزبي، على ما هو وطني، بل على ما هو إسلامي بالمعنى المنهجي المصطلحي الجامع لهذا التعبير
ويقول الركابي أن هذه الفرصة ضاعت بسبب فقدان الرؤية، والتناحر الملتهب، وتقديم ما هو حزبي، على ما هو وطني، بل على ما هو إسلامي بالمعنى المنهجي المصلحي الجامع لهذا التعبير. وهذه القيادات ملومة لأنها لم تحسن الإصغاء إلى (النصح)، بل بدا وكأن هذه القيادات متورطة أبدا في أزمة (رفض النصح)، والإعراض المتعمد عنه، ومقاومة مضامينه ومقاصده بثبات واطراد.

بين النصح والإعراض
وأوضح الكاتب أن هذه القيادات نُصحت في أزمنة متعاقبة بالعديد من النصائح التي أجملها الكاتب على النحو التالي:

1 ـ نصحت بأن أمامها خيارات أربعة:
أ ـ خيار تفتيت أفغانستان، وهو خيار خطر محفوف بعواقب مهلكة لا يتصور حقيقة آثارها حتى أولئك الذي يميلون إلى خيار التفتيت: يأسا من الواقع القائم الكئيب.

ب ـ وخيار الانفراد بالسلطة، وهو خيار تكتنفه صعوبات بالغة توشك أن تجعله مستحيلا في ظل الموازين المختلفة والتباين العرقي، وإسهامات كافة الأطراف في حرب التحرير، وهي أطراف ترى أن من حقها أن يكون لها نصيب في أي صيغة أو مكسب سياسي.

جـ ـ خيار الاستمرار في الحرب الأهلية وهو خيار سيؤدي في النهاية إلى حرمان الجميع مما يطمح إليه الجميع.

د ـ وخيار توطين النفس، وترويض (الجموح السياسي) على قبول (المكاسب النسبية). ونقطة البدء في الأخذ بهذا الخيار هي: تحرير العقل، وغسل الإرادة من وهم المكاسب المطلقة.

2 ـ ونصحت هذه القيادات بأن إصرارها على الاحتراب والاقتتال والصراع المجنون سيمهد الطريق لظهور (طرف ثالث) يستفيد من حالة الإنهاك التي لحقت بالأطراف المتصارعة، يستفيد من ذلك، ويخطف الحكم أو الدولة من المتحاربين أجمعين.. ولقد ظهر هذا الطرف الثالث وهو (حركة طالبان).


نُصحت طالبان بأن تنزل إلى عالم الواقع لأنها محاطة بظروف محلية وإقليمية ودولية لا تسمح لها بالتحليق مع المثاليات المفرطة في تطبيق الإسلام, لكنها خالفت السنة في الاعتدال فأذلت نفسها بتحمل ما لا تطيق
3 ـ وعندما جاءت طالبان، نُصحت بأن تنزل إلى عالم الواقع لأنها محاطة بواقع محلي وإقليمي ودولي لا يسمح لها بالتحليق مع المثاليات المفرطة في تطبيق الإسلام. ولذا فواجب عليها أن تتواضع جدا وهي تتعامل مع القريب والبعيد، وإلا تهلك نفسها في سبيل مثالية وهمية لم يوجبها عليها الإسلام. لكن طالبان ـ وقد خالفت السنة في الاعتدال ـ أذلت نفسها بتحمل ما لا تطيق.. ونصحت طالبان بأنها تقع في خطأ جسيم، بل قاتل إذا ظنت أنها ستظفر بمكاسب سياسية مطلقة ذلك أن سبب خيبة الفصائل التي سبقتها في الحكم هو: الإصرار على المكاسب المطلقة. وما وقع لتلك الفصائل سيقع لطالبان إذا هي سارت في الطريق الخطأ. ونصحت بأن من أول مسؤولياتها التي يجب أن تباشرها بلا تردد ولا تسويف: أن تنفض يدها من الإرهاب جملة واحدة، وبحزم ووضوح لا يعرفان المجاملة، وهي لا تستطيع أن تفعل ذلك إلا بموقف فكري سياسي يناهض الإرهاب ويتبرأ منه، وإلا بإجراءات عملية تصدق الموقف المعلن بوقائع محسوسة على الأرض.

المخرج من الأزمة
وإزاء رفض القيادات الأفغانية لكل هذه النصائح فقد جرى ما جرى بل ولايزال يجري. وهي كلها سياقات وأزمات أوردت أفغانستان إلى التهلكة التي هي فيها الآن. ثم يتساءل الكاتب عن المخرج من تلك الأزمة مجملا تصوره للحل في النقاط التالية:

1 ـ الاتفاق أو عقد الإجماع على الأسس الثلاثة الكبرى للوحدة الوطنية وهي: وحدة التراب الأفغاني.. والإسلام.. واعتبار التنوع العرقي والمذهبي وإعطاء هذا التنوع فرصه العادلة والكاملة في كل شيء، في ظل أساس وحدة التراب.. وأساس الإسلام.

2 ـ استقلال القرار الأفغاني. فدور الأطراف الخارجية ينبغي أن يكون (عنصرا مساندا) لا ملغيا للقرار الأفغاني، ولا ممليا له. وتتوكد أهمية استقلال القرار الأفغاني بالنظر إلى أن من اعمق أسباب الأزمة الأفغانية: التدخلات الخارجية الأنانية والاستفزازية: الإقليمية والدولية. فالاستدعاء المتبادل -من قبل الفصائل الأفغانية- للتدخلات الأجنبية جعل أفغانستان مصطرعا للمنافسات السياسية والإستراتيجية الحادة، على الصعيدين: الإقليمي والدولي.. وهذا جزء من الأزمة، واستبقاؤه يزيدها تعقيدا.


قضية الهوية في أفغانستان لا تحل بالعلمانية، ولا بالشيوعية، ولا بالتنطع الديني. و إنما بالإسلام الذي دعا إليه الإمام العظيم أبو حنيفة، وسائر أئمة التوسط والاعتدال، في الاعتقاد والفهم والعمل والسلوك والعلاقة بالآخر
3 ـ تحديد معايير موضوعية لاختيار الأشخاص الذين يتولون الأمور العامة.
4 ـ وضع خطوط عامة للسياستين: الداخلية والخارجية.
5 ـ تكوين حكومة مؤقتة صحيحة التمثيل.
6 ـ عقد مؤتمر وطني عام تنبثق منه القواعد أو المقومات الخمسة الآنفة.
7 ـ خلط ذلك كله -في الإجراء والتوقيت- بخطة تنمية شاملة تشعر الأفغانيين جميعا بأن الأمر جد لا هزل فيه، وبأن التزامهم بتلك المقومات له مردود مادي وحقيقي وسريع، على أنفسهم وزوجاتهم وأولادهم وبيوتهم ومدارسهم ومزارعهم وأسواقهم.

ويخلص الكاتب إلى القول "بغير هذا، تظل الأزمة قائمة، أو أنها تحل بطريقة تسكينية قصيرة النظر، يختلط فيها ما هو موضوعي صحيح، بما هو أيديولوجي خائب.. علما بأن قضية الهوية -في أفغانستان- لا تحل بالعلمانية، ولا بالشيوعية، ولا بالتنطع الديني. و إنما تحل وتحسم بالإسلام الذي دعا إليه الإمام العظيم أبو حنيفة، وسائر أئمة التوسط والاعتدال، في الاعتقاد والفهم والعمل والسلوك والعلاقة بالآخر.

المصدر :