مدريد - الجزيرة نت
جدل خطير تشهده الساحات الإعلامية والسياسية والشعبية الإسبانية حول الأبعاد الحقيقية للهجمة التي عانتها الولايات المتحدة الأميركية, وقد عكست الصحف الأسبانية الصادرة اليوم هذا الجدل, حيث انقسم صُنّاع الرأي في هذه الصحف على أنفسهم, ما بين مؤيد لنظرية بدء عصر صراع الحضارات, ومعترض عليها.

منع الانهيار


إن هول هذه الضربة الإجرامية لاينبغي أن يُروعنا ويتركنا مشدوهين, ولكن يجب أن يحفزنا لنكون أشد انتباها واستيقاظا وحراسة

ثاراغوثا-الباييس

فتحت عنوان "نحن الشعوب" كتب البروفسور "فدريكو ماجور ثاراغوثا" في صحيفة الباييس يقول "في عام 1945, وفي سان فرانسيسكو, وبقيادة الولايات المتحدة, تم تأسيس الأمم المتحدة, والتي يبدأ دستورها بهذه العبارة "نحن الشعوب.. قررنا الحيلولة دون أن تتورط الأجيال القادمة في أية حرب مقبلة. أربعة أعوام قبل هذا الإعلان, كانت اليابان قد ضربت وبصورة مفاجئة القاعدة الأميركية الجوية في هاواي (بيرل هاربر) وكان ذلك هو السبب المباشر في تورط الولايات المتحدة في تلك الكارثة العالمية, والآن, سبعون عاما بعد بيرل هاربر, شهد العالم في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول, هذه الهجمة الإرهابية ذات الأبعاد التي لا يمكن تخيلها, والتي استهدفت رموز السلطة في واشنطن ونيويورك".

ويمضي الكاتب قائلا: "لقد جاءت هذه المأساة المريعة مع مطلع القرن والألفية, لتهز العالم بأسره, بسبب عدد الضحايا والطريقة التي نفذ بها, ليجري أمام سمع العالم وبصره, مُسببا أخطر أزمة عرفها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية, ناسفا قواعد الأمن والاستقرار الدولي, واضعا نصب أعين الجميع الحاجة الماسة اليوم لكي تؤخذ بعين الاعتبار الإنسانية كلها أي "نحن الشعوب".

إن هول هذه الضربة الإجرامية كما يقول الكاتب لاينبغي أن يُروعنا ويتركنا مشدوهين, ولكن يجب أن يحفزنا لنكون أشد انتباها واستيقاظا وحراسة, ففي مثل هذه المحن يكون من الصواب أن يتم التفكير بشكل شمولي وفي الجميع, ومن الخطأ الجارح أن لا نفكر إلا في البعض وبأفق ضيق, لأن الشرعية الأخلاقية تقتضي اليوم أن يتم تطبيق مبادئ الحرية والمساواة والعدل على مستوى العالم كله".

ويمضي البروفسور الذي كان معروفا بمواقفه العنصرية شديدة التطرف في القول: "إن التطرف الانتحاري الذي نعايشه اليوم, يضطرنا أن نعيد النظر في كل إستراتيجياتنا العسكرية, وفي جميع خططنا الأمنية الوطنية المحلية والدولية, إنه من الصعوبة بمكان أن نحارب في الضوء من يتحرك في الظلام.

وأضاف إن الجرح الهائل الذي أصابنا جميعا يوم 11/9 يجب أن يحملنا على التفكير الجاد بأن شيئا خطيرا قد كسر, وهو نظام الضبط الذي كان يحكم العالم, وعلينا أن نسارع في لحظات الفوضى الشاملة ولحظات الشك والقلق, لتفعيل مصداقية نظمنا الاجتماعية والثقافية والأخلاقية لحماية الهيكل العالمي العام من انهيار مريع".

ليسوا جميعا إرهابيين
رئيس تحرير صحيفة الموندو "بدرو راميرز" تناول الحوار من زاوية ردّه في الافتتاحية, على إحدى الكاتبات الإيطاليات, والتي نشرت لها صحيفة الموندو قبل أيام مقالا خطيرا, شنت فيه أقسى أنواع الهجوم على الإسلام والمسلمين, كتب يقول وتحت عنوان "أوريانا فالاثيا.. وصراع الحضارات": "إن هذه الصحفية التي كانت قد انسحبت من الحياة السياسية والصحفية, وعاشت خلال الأعوام الأخيرة في مانهاتن, ماكنا نتوقع منها مثل هذا الهجوم على الإسلام, وهي التي طالما وُصفت بالتقدميّة والمنفتحة على العوالم الأخرى, وهي التي طالما زارت الدول العربية, ونزلت فيها ضيفة بحكم عملها كصحفية".


إن ما حدث لم يكن إلا حرباً جديدة, لايريد فيها العدو غزو الأرض, ولكن غزو القيم الحضارية الغربية التي نعيشها

أوريانا فالاثيا -الموندو

ويمضي "راميرز" في نقده لصاحبة المقال الذي أثار ردودا في غاية العنف في أوروبا قائلا: لقد كان من الفجاجة بمكان أن تعاكس "فالاثيا" المنطق والتوجه العام في تحليل الأمور, وأن تقول بما عهدناه فيها من محاولات للإثارة: إن ما حدث لم يكن إلا حرباً جديدة, لايريد فيها العدو غزو الأرض, ولكن غزو القيم الحضارية الغربية التي نعيشها, متهمة القيادات الغربية بجهلها التام بقدرة الحضارة الإسلامية على التدمير كما قالت".

إلا أن "راميرز" لايلبث أن يعطي فالاثيا بعض الحق في مسألة جوهرية, إذ يقول: "لقد وضعت إصبعها على موضع الجرح, عندما قالت إن العرب والمسلمين الذين يعيشون بيننا, لايحترمون حضارتنا, وليس لدى معظمهم أدنى قدر ممكن من الرغبة في الاندماج في مجتمعاتنا, ولكنها كما جاء في الموندو قد بالغت كثيرا عندما قالت: ان مجندي هذه الحركات الإرهابية الإسلامية, مقيمون بيننا, ينمون ويترعرعون ويتغذون في أرضنا. ولعل كلماتها هذه هي التي غذت ذلك التوجه في المقارنة بين الحضارات في خطاب "بيرلسكوني" الذي أثار ما أثاره. إنها تؤيد قيامنا بالدفاع المتعصب عن الثقافة الأوربية, منطلقة من قناعتها التامة بصدام الحضارات الذي لن نستطيع مجابهته بين عشية وضحاها, حتى في حال صدق هذه المقولة".

يوم الهول الأعظم!
وعودة إلى صحيفة الباييس, التي نشرت مقالا استثنائياً للكاتبة روسانا روساندا, تحت عنوان "ملاحظات على هوامش مناوئة لأميركا" جمعت فيه خلاصة تفكير أصحاب محور آخر من محاور التفكير السائد اليوم في أسبانية حول الأحداث الأخيرة حيث قالت: "لم يكن ذاك يوم الهول الأعظم الموعود الذي تتحدث عنه الأسفار المقدسة, على الأقل لم يكن بالمعنى الساذج المتداول للكلمة, فكم هو مثير للعجب أن نلجأ في هذه المحنة إلى الحديث عن ذلك اليوم الأعظم الذي يحكي عن الصراع النهائي بين الشيطان والنعجة, وبالطبع فنحن النعجة, نحن الذين نمثل الخير, والآخرون هم الشيطان، وهم الذين يمثلون الشر, وهذا بالضبط ما قاله بوش, بل وأضاف "أن الرب معنا" كما تقول الباييس.

بالطبع لم يكن ذاك يوم الهول والقيامة!! بما يعنيه ذلك اليوم من دمار عنيف شامل, وأعداد مخيفة من الضحايا, لأننا لم نأخذ بعين الاعتبار من قبل ذبح 150.000 إنسان في الجزائر, وإبادة 700.000 آخرين من التوتسي على أيدي الهوتو, ومقتل 300.000 شخص في العراق أثناء عمليات عاصفة الصحراء, ولا نصف المليون من الأطفال الذين يموتون فيها بسبب الحصار, و لا الـ35000 في تركيا, ولا 70000 في الهند في هذا العام فقط.

إذا فإن مذبحة بشرية تزن وزن الجبال, ومذبحة أخرى لاتعادل وزن الريش!, وإذا لم يكن من الدقة تقييم الأحداث بعدد الضحايا الذين سقطوا فيها, فإنه ليس من المنطق كذلك تقييمها بحجم الضربة التي تلقاها الجريح في كبريائه أو الفكرة التي شكلها عن نفسه, وهو هنا الولايات المتحدة الأميركية.

وتقول روساندا "لم يكن ما حدث يوم 11/9 في نيويورك هجوما للإسلام على الغرب الكاثوليكي, كما أنه لم يكن حربا على الديمقراطية الغربية, ودون شك لم يكن كذلك تهديدا للتجارة والاقتصاد العالميين، حيث لم يعرف أن للإسلام موقف عدائي منهما, إن من قام بتلك الفعلة الشنيعة, لم يرد إلا جرح كبرياء القيادة العالمية للولايات المتحدة, وإحراج كل حلفائها في منطقة الشرق الأوسط, التي نسيها الغرب كغيرها, وجلس فرحا يتفرج على نفسه", ولابد لنا الآن من الرد على هذا الذي حدث, ولكنني أقول لكم "إنها تؤلمني أحزان وجراح المواطنين الأميركان, ولكنني في نفس الوقت أرفض أن يعاملوا العالم وكأنهم فوق هذا العالم الذي صنعته اليوم سياسة بلادهم".

المصدر : الصحافة الإسبانية