أبو ظبي- مراسل الجزيرة نت
واصلت الصحف الإماراتية اليوم متابعتها للحدث الأبرز عالميا "الحملة العسكرية الأميركية ضد الإرهاب" من خلال التغطيات الخبرية ومقالات الرأي، ولكن صحيفة الخليج تميزت اليوم بنشر تغطية تحليلية استشرافية لتداعيات الحدث وانعكاساتها على المنطقة العربية من خلال عرضها للجزء الأول من حلقة نقاشية شارك فيها 16 مفكرا وسياسيا بمركز دراسات الوحدة العربية في بيروت تحت عنوان "التطورات الأخيرة في الولايات المتحدة وانعكاساتها العربية".

اتجاهات أميركا ما قبل الضربة
تضمنت الندوة ورقة عمل على شكل أسئلة للحوار من ثلاث مجموعات، الأولى منها عن السلوك الخارجي الأميركي قبل إعلان "الحرب" على الإرهاب وهي:

1. هل كانت أميركا تتجه نحو مزيد من الانفرادية في اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية الدولية أم نحو مزيد من المشاركة والتشاور؟
2. هل كانت تتجه نحو احترام أكبر لمؤسسات الأمم المتحدة أم نحو تعطيل عملها؟ ما الدور الجديد للأمين العام والدور الجديد لمجلس الأمن؟
3. هل كان الشعور لدى جمهرة الدول الأخرى يتجه نحو تعاظم دورها أم تجاهلها؟
4. هل كانت تتجه أميركا نحو تحلل صريح ومعلن من اتفاقات دولية سبق الالتزام بها أم نحو تأكيد احترام مبادئ الشرعية الدولية وقواعد القانون الدولي؟
5. هل كانت تتجه نحو غطرسة وغرور بمبالغة وافتعال متعمد أم نتيجة للشعور بعجز الآخرين عن حفظ السلام والأمن الدوليين؟
6. هل كانت تتجه نحو تطرف في المواقف والخلافات مع الصين وروسيا ودول الجنوب والدول العربية والإسلامية تقوده أغلبية في النخبة السياسية الحاكمة والكونغرس والإعلام أم إلى استطراد في سياق السياسة الأميركية منذ الحرب العالمية الأولى؟.. بمعنى آخر هل تغيرت أميركا أم تغير العالم؟
7. هل ازدادت الفجوات اتساعا بين المبادئ والممارسات الأميركية؟.. إذ رفضت أميركا في السنوات الأخيرة الحوار في نزاعات ومؤتمرات وقضايا كثيرة كان آخرها انسحابها من مؤتمر ديربان ووقوفها ضد حقوق الإنسان في أميركا اللاتينية وفلسطين وعدد من الدول تربطها بها مصالح خاصة، ولم تستخدم دورها القيادي في إيقاف التدهور نحو الصدام الحضاري.
8. هل اقتنعت النخبة السياسية الحاكمة في أميركا على امتداد عشر سنوات بجوهر أطروحة صدام الحضارات وأطروحة نهاية التاريخ إلى حد اعتبارهما -بوعي أو بدون وعي- الأساس الفلسفي أو النظري الجديد للسياسة الأميركية؟
9. ألم تتجاوز مواقف الولايات المتحدة من قضايا بعينها الحدود بين الانحياز والتواطؤ؟ ألم يؤثر موقفها من الصراع العربي الإسرائيلي تأثيرا مباشرا في الفرد والمواطن العادي فأنشأ مستوى جديدا من العداء في مواجهة الدولة الأعظم؟

الصراع الحضاري.. مضلل!


كان الفكر الإستراتيجي الأميركي قائما على فرضية أن أرض الولايات المتحدة فيها مناعة تضعها كما لو كانت خارج الكرة الأرضية. واليوم صارت الأرض الأميركية جزءا من الكرة الأرضية وبالتالي سيتغير الفكر الإستراتيجي الأميركي تماما إلى الثنائية التقليدية الدفاع والهجوم

غسان سلامة

في البداية أثنى د.غسان سلامة على طرح الإشكالية من خلال أسئلة سياسية واعتبره أمرا صحيا لأن إدغام الأمور ذات العلاقة بالمفاهيم الحضارية والثقافية فيما هو حاصل يشوش بدلا من أن يوضح، ولأن الأفكار المتداولة حول البعد الحضاري والثقافي يمكن أن تكون مضللة.. لذلك يبدو التركيز على الأبعاد السياسية والقانونية والدبلوماسية -من وجهة نظره- هو الأساس.

وأضاف سلامة "هنا أعتقد أن سؤالا جوهريا ينبغي طرحه عن المدى الزمني الذي نتحدث عنه عندما نقوم بعمليات التنبؤ التي تدعونا إليها ورقة العمل".

ويبدأ غسان بالسؤال الجوهري وهو إعادة توزين القوى على الساحة الدولية وموقع أميركا منها.. إذا رأينا الأسابيع الأولى لما بعد 11 سبتمبر/أيلول فإن كل شيء يشير إلى أننا (الآن) دخلنا بحزم وصرامة في نظام القطب الواحد.. القرار الأول لمجلس الأمن صدر خلال سبع ساعات وبالإجماع، وهذا أمر لا سابقة له، والمفاجئ أيضا هو عدم اهتمام واكتراث العالم به (!) رغم أنه يضع لائحة طويلة من الأسباب التي تسمح باستخدام القوة من خلال الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة في أمور شتى، ويضع برنامجا زمنيا لا يتجاوز تسعين يوما، ويضع سلسلة من الأسباب المبهمة والقابلة للاجتهاد إلى حد كبير لاستخدام القوة وفقا لمنطق البند السابع وبذلك يتجاوز حتى القرارات الـ12 التي فرضت على العراق سنة 1990 بأشواط كثيرة، إذن ردود الفعل الأولى سواء في سرعة اتخاذ القرار في مجلس الأمن وبرضوخ مجلس الأمن الواضح والصريح لمنطوق الإرادة الأميركية، أو في الاستعداد الواضح لدى دول مثل روسيا أو الهند للتعاون والتعاطف الملحوظ مع الولايات المتحدة، أو من خلال القيام بالتنديد الجماعي بعملية الإرهاب، أو في التحول الملحوظ في موقف باكستان باستعمال مجالها الجوي وتقديمها المساعدات اللوجستية في حال تم الهجوم على أفغانستان.. كل هذه المؤشرات تؤكد بأننا على المدى القصير دخلنا الآن في مرحلة القطب الواحد.. لكن إذا أمعنا النظر وكان هدفنا التنبؤ بالأشهر أو السنوات القادمة فربما نصل إلى نتيجة معاكسة تماما، وهي أننا انتهينا من مرحلة القطب الواحد لأن الحجج قوية.

أولا للمرة الأولى تدخل أرض الولايات المتحدة في الكرة الأرضية (!)، حيث صارت جزءا من الكرة الأرضية، فقبل قرن من الزمان كانت تبدو أرض الولايات المتحدة وكأنها خارج الكرة الأرضية، وكان الفكر الإستراتيجي الأميركي قائما دائما على ثنائية غير الثنائية المعهودة.. ثنائية الدفاع والهجوم.. هذه الثنائية ليست موجودة في الفكر الإستراتيجي الأميركي، بل تقوم ثنائيته على التدخل من عدمه، هل نتدخل أو لا نتدخل؟.

في الحرب العالمية الأولى بقي الرئيس الأميركي (الأسبق) ويلسون أشهرا وسنوات يتساءل: هل أتدخل لمصلحة الحلفاء أو لا أتدخل؟ وفي الحرب العالمية الثانية كان الاتجاه لعدم التدخل حتى (وقع الهجوم الياباني على) بيرل هاربر. وفي حرب فيتنام طالب الفرنسيون سنوات وسنوات الأميركان بالتدخل إلى جانبهم (وتأخر الأميركان).. وفي لبنان تدخلوا مرتين، وكذلك في البلقان وفي الكويت.. إلخ.. كان الفكر الإستراتيجي الأميركي قائما على فرضية أن أرض الولايات المتحدة فيها مناعة تضعها كما لو كانت خارج الكرة الأرضية.. اليوم صارت الأرض الأميركية جزءا من الكرة الأرضية وبالتالي سيتغير الفكر الإستراتيجي الأميركي تماما إلى الثنائية التقليدية الدفاع والهجوم.

ازدواج المعايير
وعن جانب من الأسئلة أجاب د. محمد الأطرش دون تقيد بالترتيب قائلا: إن مشكلة العرب مع أميركا تكمن في درجة كبيرة من المعايير المزدوجة، فتفرض أميركا على العرب والمسلمين الذين يحاولون تحرير أرضهم ورفع الظلم عنهم أقسى العقوبات، بينما تكافئ إسرائيل المحتلة للأراضي العربية والممارسة للإرهاب بكل أنواع الدعم. وقد اتصف السلوك الخارجي الأميركي في العديد من الأحيان وقبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول بتجاهل القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.. وهناك العديد من الأمثلة المختصرة على ذلك.


السلوك الأميركي أضعف بشدة دور الأمم المتحدة وخاصة مجلس الأمن، وأصبح الأخير أداة من أدوات السياسة الخارجية الأميركية، وعكس ذلك السلوك تعاظم دور القوة الأميركية في العلاقات الدولية على حساب دور القانون الدولي

د. محمد الأطرش

فقد قامت أميركا منذ الخمسينيات بتشجيع انقلابات يمينية إضافة إلى تدخلها المباشر في عدد من دول أميركا اللاتينية، وهدفت أساسا إلى الحيلولة دون ممارسة هذه الدول لحقها القانوني والطبيعي في بسط سيادتها على مواردها وثرواتها واختيار نظامها الاقتصادي والاجتماعي.. وكان الهدف الأميركي هو الحيلولة دون أن يقوم عدد من دول أميركا الجنوبية بتأميم أو ضبط الاستثمارات الأميركية فيها والتي أدت إلى استغلال فاحش لأهل البلاد المضيفة لهذه الاستثمارات، إذ تدخلت أميركا فعليا ومباشرة في غواتيمالا عام 1954 وغيرت نظام الحكم فيها، ودعمت الانقلاب الدموي ضد سلفادور الليندي في تشيلي عام 1973، وكذلك فعلت في نيكاراغوا.

وفي الشرق الأوسط عرقلت الولايات المتحدة تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي 242 عام 1967، ومنذ بداية الثمانينيات لجأت أميركا إلى نقض أي مشروع قرار في مجلس الأمن يدين إسرائيل لإقامتها مستعمرات استيطانية في الضفة والقطاع، مناقضة بذلك القانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949.

هذه الأمثلة وغيرها كثير تشير بوضوح إلى أن السلوك الأميركي قد أضعف بشدة دور الأمم المتحدة وخاصة مجلس الأمن، وأصبح الأخير أداة من أدوات السياسة الخارجية الأميركية.. أي أن السلوك الأميركي عكس -بعد تفكك الاتحاد السوفياتي على الأخص- تعاظم دور القوة الأميركية في العلاقات الدولية على حساب دور القانون الدولي، ولذلك نجد أن أميركا لم تجد حرجا في إلغاء اتفاقية منع الصواريخ المضادة للصواريخ لعام 1972، والتي كانت ضرورية لنظام الردع النووي، والتراجع عن اتفاقية كيوتو المتعلقة بالانحباس الحراري.

المصدر : الصحافة الإماراتية