النظام العالمي ..ميلاد رسمي أم دعوة للتريث؟
آخر تحديث: 2001/10/21 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1422/8/4 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2001/10/21 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1422/8/4 هـ

النظام العالمي ..ميلاد رسمي أم دعوة للتريث؟

الدوحة - الجزيرة نت
الشعارات مصطلحات أساسية لخوض المعارك والمهمات الصعبة وهو ما برعت فيه أميركا منذ وقت مبكر وحتى اليوم, وفي هذين المقالين من صحيفة الشرق الأوسط الصادرة اليوم يستعرض الكاتبان هوس المذاهب عند آل بوش وضرورة عدم استعجال ظهور النظام العالمي الجديد بينما يرى الكاتب الآخر أن أحداث أفغانستان هي المولد الرسمي لهذا النظام.

هوس المذاهب
وفي هذا الصدد يقول الكاتب راجح الخوري تحت عنوان آل بوش: هوس المذاهب والأنظمة العالمية الجديدة؟ قد يكون اختيار العناوين الفخمة وإطلاق الشعارات الجذابة من المسالك الأميركية المعروفة في العمليات العسكرية أو المهمات أو الغزوات التي يتم تنفيذها، أو حتى في المناورات العسكرية التي تجري عادة. فكما أن الحرب لتحرير الكويت جرت تحت عنوان «عاصفة الصحراء» كما هو معروف، فإن المناورات الدورية المشتركة بين أميركا وإسرائيل وتركيا تتم عادة تحت عنوان «الحورية الواثقة».


عندما أُطلق اسم «النسر النبيل» على الحرب ضد الإرهاب، ثم أضيف شعار «الحرية الدائمة»، بدا الأمر مفهوما نسبيا بالنسبة إلى الكثيرين، وإن كانت أسئلة كثيرة قد ارتفعت في غير مكان حول مدى «النبل» في أعمال ذلك النسر. ومدى «الحرية» في مسالك تلك الديمومة
ولهذا عندما أُطلق اسم «النسر النبيل» على الحرب ضد الإرهاب، ثم أضيف شعار «الحرية الدائمة»، بدا الأمر مفهوما نسبيا بالنسبة إلى الكثيرين، وإن كانت أسئلة كثيرة قد ارتفعت في غير مكان حول مدى «النبل» في أعمال ذلك النسر. ومدى «الحرية» في مسالك تلك الديمومة.

ويستطرد قائلا يبدو أن الحديث عن «مذهب بوش» الذي استعار من «الحرب الباردة» الشعار المشهور الذي وضعه وزير خارجية أميركا الأسبق دين أتشيسون ومن بعده سلفه جون فوستر دالاس، والذي يقول «من ليس معنا هو ضدنا»، قد شكل موضع انتقاد خافت لبعض المحللين الأميركيين، الذين حرصوا في الأسبوع الماضي على التذكير بأن المذاهب الرئاسية بصفتها مجموعة من المبادئ التي تقولب السياسة الخارجية الأميركية لفترة طويلة من الزمن، ليست أمرا يسيرا في الولايات المتحدة، إذ أن الباحثين لا يستطيعون إحصاء أكثر من مذهبين أو ثلاثة مذاهب خلال 225 عاما من تاريخ أميركا.

ثم يستعرض الكاتب جهود بوش الأب إلى بوش الابن في طرح مفهوم النظام العالمي الجديد فيقول وليس سرا أن جورج بوش الأب، حاول وإن لم يكن قد أعلن صراحة، إطلاق مذهبه عندما طرح شعار «النظام العالمي الجديد» على خلفية انهيار المعسكر الشيوعي، الذي أطلق معالم الهيمنة الأميركية على مستوى كوني أسس للنظرية التي وضعت في التداول منذ عقد أو أكثر وهي «الأحادية الأميركية» التي تتخذ شكلا إمبراطوريا أدواته الأساسية: الاقتصاد المعولم وثورة الاتصالات.

ولكن بوش الأب دفع ثمن ضغوطه على إسحق رابين لعقد «مؤتمر مدريد»، عندما تحالفت الدوائر الصهيونية من كل الاتجاهات الحزبية الأميركية ضده في الانتخابات، التي أدت إلى فوز بيل كلينتون عليه رغم أنه كان قد خرج لتوه منتصرا من «عاصفة الصحراء».

مضى بوش الأب وبقي شعار «النظام العالمي الجديد» مجرد حلم أو أفكار تحتاج إلى ترجمة أو تأطير لكي تصبح مذهبا. ولكن ها هي المصادفات تقود جورج بوش الابن إلى محاولة إملاء مذهبه عبر أمرين:

أولاً: الثلاثاء الأسود أي يوم 11 أيلول (سبتمبر) الذي أحدث زلزالا جحيميا في نيويورك وواشنطن، بما أدى إلى إطلاق الحرب ضد الإرهاب التي نعرف جميعا كيف بدأت في أفغانستان ولا يعرف أحد أين ومتى يمكن أن تنتهي.

ثانياً: السعي إلى إيجاد ترجمات سياسية في إطار القوة أو التحالفات، لنظرية «النظام العالمي الجديد». وليس سرا في هذا الإطار، أن الحرب ضد الإرهاب التي تدور على جبهات كثيرة: ميدانية عسكرية واستخباراتية واقتصادية ومالية، وسياسية وتربوية ـ


تصريحات إدارة بوش في موضوع المذهب قد تكون مهمة على الصعيد العملي لأنها تساعد الرأي العام في فهم سياسة الحكومة ولكن ليس لأميركا التي تبحث منذ انتهاء الحرب الباردة عن مذهب تعتمده أن تتعجل
ثقافية غدا، ستؤدي ولو بعد حين إلى تظهير مبادئ هذا النظام العالمي، الذي يبدو منذ الآن أنه موضع تجاذب شديد بين حماقات الميل إلى الهيمنة والغطرسة ووعي الدعوة إلى العدالة والحق.

ويصل الكاتب إلى القول في هذا السياق يبدو الاستعجال أمرا غير مضمون النتائج وهو ما دفع أستاذ السياسة الخارجية في جامعة جورجتاون أنطوني أرنيد إلى القول: «إن تصريحات إدارة بوش (في موضوع المذهب) قد تكون مهمة على الصعيد العملي لأنها تساعد الرأي العام في فهم سياسة الحكومة وإرساء هذه السياسة في شكل رسمي.. ولكن ليس لأميركا التي تبحث منذ انتهاء الحرب الباردة عن مذهب تعتمده «أن تتعجل».

إعلان رسمي
أما تركي الحمد فقد اعتبر في مقاله "إلى أن ينقشع الغبار"
أن الهجمات الأميركية على أفغانستان، هي إعلان رسمي عن ولادة النظام الدولي الجديد، ذلك النظام الذي بشر به بشكل عابر جورج بوش الأب، في أعقاب حرب الخليج الثانية وسقوط الاتحاد السوفياتي. وما بشر به بوش الأب بالأمس، يقوم اليوم بوش الابن بتحقيقه، وإعلان ولادته الرسمية. فالفترة الفاصلة بين حرب الخليج الثانية وحرب أفغانستان، يمكن


الفترة الفاصلة بين حرب الخليج الثانية وحرب أفغانستان، يمكن اعتبارها فترة مدّ وجزر، ونقاط تشابك بين النظام القديم والجديد، وكان لا بد لهذه الفترة الانتقالية من خاتمة معينة بأي شكل من الأشكال
اعتبارها فترة مدّ وجزر، ونقاط تشابك بين النظام القديم والجديد، وكان لا بد لهذه الفترة الانتقالية من خاتمة معينة بأي شكل من الأشكال. وكانت عملية أيلول (سبتمبر)، هي الشرارة التي فجرت تلك المرحلة الانتقالية، كبداية لفك الاشتباك بين نظامين دوليين، أحدهما أصبح في ذمة التاريخ، والآخر يحاول أن يتجاوز فترة المخاض الصعبة. فتحطم الطائرات على جدران برجي مركز التجارة العالمي، كان هو النقطة الفاصلة بين مرحلة مضت، ومرحلة قادمة في طبيعة العلاقات بين الدول، ونوعية النظام المنبثق الذي سوف يعيد ترتيب أوضاع هذا العالم من جديد، والسلم الجديد للقوى الفاعلة فيه.

ويوضح الكاتب فكرته بالقول بداية العمليات في أفغانستان هي بداية لعالم مختلف في تقديري، عالم لن تكون فيه الدولة ذات سيادة مطلقة في كافة شؤونها، بل ربما لن تكون فيه ذات سيادة على الإطلاق، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل ذلك التاريخ، بقدر ما ستكون فيه مكبلة بقيود متفق عليها عالمياً، يحددها كبار هذا العالم والمشاركون في صياغة قوانينه وأنظمته، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، تتعلق بطبيعة العلاقة بين الدول والمجتمعات، بل طبيعة المجتمعات ذاتها. وإذا كانت محاربة قواعد الإرهاب العالمي في أفغانستان هي الخطوة الأولى نحو الوضع الجديد، فإن الخطوة الثانية ستكون في محاولة اجتثاث جذور الإرهاب في العالم أجمع، ومن ثم تحقيق نظام دولي مستقر وفق مبادئ عامة لا يمكن الخروج عليها.

ويقول الكاتب من الواضح أن أجندة هذه «الحرب الجديدة»، كما أصبحت تُعرف، لن تكون قاصرة على أفغانستان وطالبان وتنظيم القاعدة، ولن تتوقف عندها بالتالي. فكل هذه الحشود العسكرية في منطقة العمليات، وكل هذا الاستنفار والحشد على كافة المستويات، يقول أن المسألة أكبر من أفغانستان. ورغم أن بعض الزعماء العرب يؤكدون أن الولايات المتحدة أكدت لهم أنه لن تكون هناك دول عربية ضمن أجندة العمليات العسكرية، إلا أن تصريحات بعض أركان الإدارة الأميركية، تؤكد أن هنالك دولا أخرى على الأجندة، ودولاً عربية بالتحديد، خاصة أن هنالك من يدفع في هذا الاتجاه من «الصقور» في الإدارة الأميركية. فوفق رأي هؤلاء «الصقور»، فإن الفرصة لا تسنح مرتين من أجل تحقيق كل ما يمكن تحقيقه من أهداف إستراتيجية في أذهان أولئك الصقور، فهل لمثل هذا التخوف العربي ما يبرره؟

ويجيب الكاتب على هذا التساؤل بالقول مهما بلغ التخوف من حرب الكهوف، وردة فعل تنظيم القاعدة وفروعه في مختلف البلدان، فإن ذلك لا يبرر كل هذه الحشود. في تقديري، أن الهدف من كل هذا الحشد والتحشيد هو ممارسة نوع من سياسة «الردع»، وذلك مثل امتلاك القوة النووية. فمن المعلوم أن امتلاك السلاح النووي هو للردع وليس للاستخدام، على افتراض عقلانية من يملكه، وكذلك هو الوضع بالنسبة للاستنفار العسكري الأميركي في أنحاء العالم. فالقضاء على طالبان وتنظيم القاعدة،


إن العالم اليوم يشهد نوعاً من إعادة الترتيب لأوضاعه، ومن لا يشارك في هذه العملية قدر الاستطاعة، فإنه سيكون من المهمشين حين ينقشع الغبار، وتستقر الأوضاع
وإعادة ترتيب الأوضاع في أفغانستان، سوف يكون نوعا من الدرس لتلك الأنظمة والمنظمات التي تفكر بالعبث في أساسيات النظام الدولي واستقراره، أو عدم الالتزام بقواعد اللعبة السياسية الدولية، كما يحددها المشاركون في وضع قواعد هذه اللعبة.

ويصل الكاتب في ختام مقاله إلى تساؤل جديد حول ما يجري هل هو جيد أم سيئ؟ ويجيب قائلا "المسألة نسبية، والحكم لا يجوز قبل اتضاح الصورة، وهو خاضع في البداية والنهاية لسلم القيم الذي يحمله كل فرد في رأسه، وليس هو مجال حديثنا في هذه العجالة. ما نحاول أن نتبينه هنا هو وضع صورة لما يجري في عالم اليوم وتحولاته، بغض النظر عن الموقف من هذه التحولات، من أجل أن نتبين موضع أقدامنا أولاً وأخيرا، قبل الإقدام على أي خطوة. بإيجاز العبارة، فإن العالم اليوم يشهد نوعاً من إعادة الترتيب لأوضاعه، ومن لا يشارك في هذه العملية قدر الاستطاعة، فإنه سيكون من المهمشين حين ينقشع الغبار، وتستقر الأوضاع.

المصدر :