روسيا تودع أخر رموز عظمتها
آخر تحديث: 2001/10/20 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1422/8/3 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2001/10/20 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1422/8/3 هـ

روسيا تودع أخر رموز عظمتها


موسكو- علي الصالح
لاتزال الحرب الأميركية ضد أفغانستان تحتل الصدارة في الصحف الروسية الصادرة اليوم التي ركزت اهتمامها على الانعكاسات السياسية والأمنية لهذه الحرب على مواقف روسيا الدولية ومصالحها في آسيا الوسطى وسط تصاعد المعارضة لموقف القيادة السياسية الروسية من الحرب على الصعيدين الشعبي والنخبوي.

دور المراقب
صحيفة فيك الأسبوعية رصدت انعكاسات الحرب الأميركية ضد أفغانستان على كل من أميركا وروسيا مشيرة إلى أن "طابع الحملة العسكرية ضد أفغانستان التي قدمت بأنها عملية لمكافحة الإرهاب وحظيت بذلك على تأييد روسيا أخذ يتغير على مرأى من الجميع" .


أميركا ستنشغل بنفسها وضمان مصالحها الخاصة تاركة لروسيا دور التابع المنقاد الذي تنحصر مهمته بمراقبة الترتيبات الأميركية للنظام العالمي الجديد

فيك

وأضافت أن أحد أهم تبعات هذه الحرب هو اشتداد نزعة الانعزالية في أميركا التي راحت تعتمد أساسا على نفسها دون الحلفاء مما قد يفضي إلى ظهور إغراء لدى الأميركيين بتقسيم العالم مرة أخرى إلى أميركيين وغير أميركيين وبالتالي إلحاق بليغ الضرر بالمصالح الروسية. لأن "أميركا ستنشغل في هذه الحالة بنفسها وضمان مصالحها الخاصة تاركة لروسيا دور التابع المنقاد الذي تنحصر مهمته بمراقبة الترتيبات الأميركية للنظام العالمي الجديد" بعد أن فقدت حلفاءها الإستراتيجيين في العالم وحتى في إطار رابطة الكومنولث.

روسيا تودع أخر أمجادها
كرست الصحف الروسية تعليقات كثيرة على الاجتماع الموسع الذي عقده الرئيس الروسي لقيادة وزارة الدفاع الروسية وأعلن على أثره عن إغلاق روسيا أخر قواعدها العسكرية خارج البلاد مثل قاعدة قمران العسكرية البحرية الروسية في فيتنام ومحطة التجسس الروسية في كوبا فاعتبرته بما يشبه الإجماع نهاية للتراجع الإستراتيجي لروسيا على المستوى الدولي.


إن روسيا إذ أغلقت أخر قواعدها العسكرية في فيتنام وكوبا تكون قد ودعت في نفس الوقت أخر رموز عظمتها السابقة

نيزافيسيمايا

وتحت عنوان "روسيا استكملت تراجعها الإستراتيجي" رصدت صحيفة نيزافيسيمايا تاريخ التراجع الروسي على المستوى العالمي منذ بداية تسعينيات القرن الماضي وحتى القرار الأخير وكتبت تقول "أن روسيا إذ أغلقت أخر قواعدها العسكرية في فيتنام وكوبا تكون قد ودعت بنفس الوقت أخر رموز عظمتها السابقة" .

طشقند تبيع نفسها لواشنطن
وربطت الصحيفة هذا التراجع بالامتداد الأميركي في آسيا الوسطى فكرست لذلك تعليقا أخر بعنوان "طشقند باعت نفسها لواشطن بثمانية مليارات دولار "أوضحت فيه أن أميركا عرضت على أوزبكستان مساعدات كبيرة مقابل تواجدها العسكري يتمثل بإعانات مالية واستثمارات في الصناعة والزراعة الأوزبكيتين تبلغ قيمتها الإجمالية 8 مليارات دولار أو ما يعادل ميزانية روسيا العسكرية لمدة عام كامل مضيفة أن ذلك أثار غضب الجنرالات الروس الذين "حاولوا أثناء الاجتماع الموسع في وزارة الدفاع إقناع الرئيس بوتين بوضع شمالي أفغانستان تحت الحماية العسكرية والاقتصادية الروسية" ذلك أن الجنرالات الروس يعتقدون أن وضع قاعدة جوية أميركية في أوزبكستان سيتحول مع الزمن إلى خطر يهدد مصالح روسيا.

وأضافت تقول "تسود في وزارة الدفاع الروسية قناعة بأن إنشاء قاعدة عسكرية أميركية في أوزبكستان لتنفيذ العمليات الخاصة في أفغانستان وتدمير مواقع طالبان يغير الوضع الجيوسياسي في آسيا الوسطى جذريا" مما يعني أن المهمة الرئيسة لوزارة الدفاع الروسية في المستقبل القريب قد تتمثل بلجم النفوذ الأميركي المتعاظم في المنطقة.

رفض شعبي لسياسة بوتين
أما صحيفة ازفيستيا التي اشتهرت في الفترة الأخيرة بملفاتها المطولة عن العالم الإسلامي ككل والعالم الإسلامي داخل روسيا ودول الرابطة خاصة فقد رصدت في أحد ملفاتها الأخيرة المفارقة القائمة بين قرار القيادة الروسية دعم التحالف الأميركي ضد الإرهاب والحرب الأميركية ضد أفغانستان وبين رأي أكثرية الشعب الروسي الرافض لهذه الحرب.


تبين استطلاعات الرأي العام التي أجرتها المراكز الروسية الرئيسية المتخصصة مؤخرا أن القسم الأكبر من المجتمع الروسي لا يثق بالأميركيين ولا يؤيد أفعالهم في أفغانستان

ازفيستيا

وتحت عنوان "المجتمع الروسي غير مستعد لدعم سياسة الرئيس بوتين الخارجية" كتبت تقول "تبين استطلاعات الرأي العام التي أجرتها المراكز الروسية الرئيسية المتخصصة مؤخرا أن أغلبية مواطني روسيا لا تؤيد النهج الغربي للرئيس بوتين حتى في مسألة واضحة تماما مثل التصدي للتطرف على المستوى العالمي. فالقسم الأكبر من المجتمع الروسي لا يثق بالأميركيين ولا يؤيد أفعالهم في أفغانستان".

وبعد مطارحات نظرية مسهبة مع أنصار تحالف روسيا مع الغرب وانضمامها إلى "العالم المتحضر" باعتبار ذلك فرصة وحيدة لتطورها بل وللحفاظ على وحدتها كدولة مما يفرض عليها تحديد خيارها التاريخي يشير واضع الملف إلى أن تجربة العقد الأخير أثبتت أنه مهما فتحت روسيا قلبها للغرب فإن النتيجة واحدة: لا صداقة كاملة في كافة الأحوال, والناتو زاحف باتجاه الشرق وروسيا ليست من دول اقتصاد السوق عدا عن أنها متهمة دائما بغسل الأموال واختلاس القروض. لذلك جاءت نتائج استطلاعات الرأي العام التي أجراها "صندوق الرأي العام" و "مركز عموم روسيا لدراسة الرأي العام" لتعكس موقف غالبية الشعب الروسي.

فقد بلغت نسبة مؤيدي عملية الانتقام الأميركية ضد طالبان 41% في العاصمة موسكو أما على مستوى عموم روسيا فإن نسبة مؤيديها تراوح بين 20% حسب استطلاعات صندوق الرأي العام و22% حسب استطلاعات مركز عموم روسيا لدراسة الرأي العام.

وحسب استطلاعات المركزين تعارض الحرب ضد أفغانستان نسبة 57% من سكان روسيا وتعتبرها نسبة 63% مجرد استعراض للقوة العسكرية الأميركية بينما يعتقد ثلثا سكان روسيا أنها ستفضي إلى توسيع قاعدة الإرهاب وتستفز عمليات إرهابية جديدة. وتعارض نسبة 72% من سكان روسيا توسيع جغرافية الحرب لتشمل دولا أخرى مثل العراق وليبيا وإيران

العلماء يدينون الحرب
أما استطلاع الموقف من الحرب بين المثقفين الروس فيدل بوضوح أن شريحة واسعة منهم تدينها وتعتبرها جريمة إنسانية فظيعة نختار إفادتين لاثنين من كبار العلماء والخبراء الروس نشرتهما صحيفة روسيا الأسبوعية في عددها الأخير.


صحيح أنه ينبغي اجتثاث الإرهاب لكن ما الذي يمكن قوله للآلاف من الذين صهرتهم وتصهرهم نيران القنابل وصواريخ التوماهوك؟
كيم تساغولوف -روسيا
يقول الفريق كيم تساغولوف دكتور في العلوم الفلسفية إنه من حق أميركا الانتقام من مذنبين محددين استنادا إلى مبدأ "العين بالعين والسن بالسن" ويستدرك متسائلا: لكن هل يصح القول بحق أميركا باتهام ومعاقبة شعب بل شعوب بكاملها؟ صحيح أنه ينبغي اجتثاث الإرهاب لكن ما الذي يمكن قوله للآلاف من الذين صهرتهم وتصهرهم نيران القنابل وصواريخ التوماهوك؟ وبما سنجيب على صرخة امرأة أو شيخ أو طفل أفغاني وهو يقول في لحظة احتضار "ما ذنبي يا رب؟".

ويتابع تساغولوف إدانته بما يشبه المونولوج "المعلم (يقصد السي آي أي) ليس مسؤولا عن أخطاء تلاميذه (يقصد طالبان) قد يجيبني مخضرم من السي آي أي "كلا, سأرد عليه ـ محكمة نيورنبرغ لم تحاكم جنود الجيش الفاشي بل حاكمت معلميهم".


في يوغسلافيا حاول الأميركيون استخدام المسلمين ضد صربيا والآن يحاولون استخدام السلافيين وجرهم إلى مغامرة ضد الإسلام, لكن حسابات الأميركيين ستمنى بالفشل المضاعف في هذه المرة
الكسندر بانارين -روسيا
أما الكسندر بانارين الدكتور في العلوم الفلسفية في جامعة موسكو الحكومية فيقول "السذج وحدهم قد يصدقوا بأن كل ما يتعلق بالزحف الأميركي ضد العالم الإسلامي يعتبر عملية لمكافحة الإرهاب فالمسألة ليست نضالا ضد الأصولية بقدر ما هي حرب تقودها الدولة العظمى لاقتسام جديد للنفوذ".

ويعتقد بانارين أن المسلمين والسلافيين يقعون موضوعيا في خندق واحد في المعركة الحالية ويقول "في يوغسلافيا حاول الأميركيون استخدام المسلمين ضد صربيا والآن يحاولون استخدام السلافيين وجرهم إلى مغامرة ضد الإسلام. لكن حسابات الأميركيين ستمنى بالفشل المضاعف في هذه المرة, فلن تحصل أميركا على دعم السلافيين, ولن تحظى بمساعدة روسيا. وأما من سيتجاهل وجهة النظر القومية للروس في هذه المسألة فإنه يغامر في مستقبله السياسي في روسيا".

ويتابع قائلا "أما الفشل الثاني للحسابات الأميركية فيكمن في الفشل الحتمي لتعويلها على عزل أفغانستان في العالم الإسلامي" .

المصدر : الصحافة الروسية