موسكو - علي الصالح
الحرب الأميركية المعلنة ضد أفغانستان مازالت تحتل الحيز الرئيسي في الصحافة الروسية الصادرة اليوم, فيما طغت التساؤلات المشككة حول النوايا الأميركية الحقيقة غير المعلنة من هذه الحرب وما سيترتب عليها من نتائج إلى جانب الاهتمام بتفاقم الأوضاع المنذرة بحرب بين جورجيا وأبخازيا.

لعبة كبيرة


دفع كامل تجهيزات الجيوش الحديثة للغرب ضد ثلة من المتطرفين أخذ يستدعي المزيد من الاستفسارات حول الأهداف الحقيقية غير المعلنة رسميا لعملية الانتقام

فيك

كرست صحيفة فيك الأسبوعية تحليلا لتبعات الحرب الأميركية ضد أفغانستان توقعت فيه أن مصير القارة الأوراسية برمتها يحل الآن في أفغانستان وتحت عنوان "لعبة كبيرة" كتبت تقول "موجة الصدمة الأولى التي دفعت إلى التعاطف مع أميركا كضحية للإرهاب تراجعت وأخذت تتلاشى" حتى أن الكثير من دول العالم التي استجابت للنداء الأميركي وانضمت إلى التحالف المعادي للإرهاب راحت تمعن التفكير في موقفها لأن "دفع كامل تجهيزات الجيوش الحديثة للغرب ضد ثلة من المتطرفين أخذ يستدعي المزيد من الاستفسارات حول الأهداف الحقيقية غير المعلنة رسميا لعملية الانتقام" وخاصة لدى دول الجوار الأفغاني مثل روسيا وإيران والصين والهند وباكستان.

وأضافت تقول "يبدو أن أميركا وبريطانيا تنفذان لعبة كبيرة في المنطقة. وإذا وفقتا في تحقيق ما تصبوان إليه فإن المرحلة التالية ستتمثل بإعادة تقسيم مراكز القوى في الشرق بمجمله".

سيناريو لبناني لأفغانستان
أما صحيفة نيزافيسيمايا فقد شككت في متانة التحالف ضد الإرهاب وخاصة بين روسيا وبريطانيا وتحت عنوان "سيناريو لبناني لأفغانستان" اتهمت الصحيفة توني بلير بأنه يخطط لفرض حكومة تمثل المجموعات الإثنية في أفغانستان بعد الحرب. وبعد الإشارة إلى أن روسيا وبريطانيا سعتا تاريخيا للسيطرة على أفغانستان وسط مخاوف من الانجرار إلى مستنقع الحرب فيها أوضحت الصحيفة أن "تشكيل حكومة المجموعات العرقية الذي تدعو إليه لندن محفوف في ظروف أفغانستان بظهور لبنان جديد في هذه الدولة مما يحولها إلى مصدر دائم للتوتر" وبما أن "طالبان هي القوة الوحيدة التي تمكنت من توحيد البلاد بعد انهيار الحكم الشيوعي فإن إخراجها من الساحة السياسية سيفضي إلى انقسام البلاد شئنا ذلك أم أبينا".

وانتهت إلى القول "أن بريطانيا الواقعة في قسم آخر من العالم قد لا تخشى انهيار أفغانستان اليوم. بيد أن دولا أخرى داخلة في تحالف النضال ضد الإرهاب قد تفكر بطريقة مغايرة".

موسكو تصحح واشنطن


في حال توسيع جغرافية الضربات فإن التحالف القائم إما أن ينهار وإما أن يتحول إلى تحالف أميركي خالص وكلا الحالتين لاتناسبان روسيا

كومرسنت

تفردت صحيفة كومرسنت في رصد الموقف الروسي من التحالف المعادي للإرهاب في حال توسيع جغرافية الضربات الأميركية ففي مقال بعنوان "موسكو تسعى لتحديد أميركا في إطار أفغانستان" كتبت "أن توسيع الضربات لتشمل دولا أخرى سيضع موسكو أمام معادلة معقدة ومحرجة تتمثل إما بالقطيعة مع التحالف الذي تتزعمه أميركا ونسيان جميع الأحاديث عن الشراكة معها وإما بالتخلي عن جميع الدول التي تملك موسكو معها علاقات تقليدية متميزة".

ومضت تقول "إن روسيا التي أبدت دعمها الكامل لعملية الانتقام الأميركية سعت إلى تصحيحها بنفس الوقت. وراحت تبذل الجهود المكثفة لتقييد العملية ضمن أطر أفغانستان مدركة أنه في حال توسيع جغرافية الضربات فإن التحالف القائم إما أن ينهار وإما أن يتحول إلى تحالف أميركي خالص وكلا الحالتين لاتناسبان روسيا".

آراء فريدة
وفي إطار تحليل تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر في أميركا يطالعنا الخبراء والمحللون الروس بآراء متفردة. ففي مقال نشر في صحيفة كومرسنت بعنوان "الحكومة العالمية نظمت الانفجارات في أميركا" اعتقد رئيس اللجنة الإسلامية في روسيا حيدر جمال أنه "لاوجود لصدام بين الحضارة المعاصرة والإرهاب, بل ثمة مواجهة بين المجتمع المدني العالمي والحكومة العالمية" التي نظمت التفجيرات حسب اعتقاده لذلك يشتد ساعد مناهضي العولمة الذي ينبغي عليهم "التوحد مع المسلمين آخر المدافعين عن الحريات الحقيقية في العالم".


هل كانت أحداث 11 سبتمبر تحديا شاملا ألقاه الإرهاب كقفاز في وجه الأمن الدولي, أم أنها استفزاز شامل من قبل قوى شديدة النفوذ متعددة الجنسيات تستخدم مقدرات الإرهاب لتحقيق أهداف بعيدة ؟

نيزافيسيمايا

وتفرد الخبير العسكري نائب رئيس أكاديمية القضايا الجيوسياسية الفريق ليونيد إيفاشوف بتحليل نشرته صحيفة نيزافيسيمايا بعنوان "استفزاز شامل" رأى فيه أن تطور الأحداث بعد الحادي عشر من سبتمبر "وفق منطق خاص" إلى حرب واسعة النطاق ضد طالبان لا ينفي محاولة إيجاد رد على السؤال الرئيسي الذي اثارته هذه الأحداث وهو "هل كانت أحداث 11 سبتمبر تحديا شاملا ألقاه الإرهاب كقفاز في وجه الأمن الدولي مطلع الألفية الجديدة, أم إنها استفزاز شامل من قبل قوى شديدة النفوذ متعددة الجنسيات تستخدم مقدرات الإرهاب لتحقيق أهداف بعيدة؟".

ودفع هذا التساؤل إيفاشوف إلى تحليل مسهب للسياسة الخارجية الأميركية في العقود الأخيرة استنتج منه أن "أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانت ثمرة للسياسة الخارجية الأميركية من جهة ونجاحا سياسيا للقوى التي تتبنى نهج السيطرة على العالم من جهة ثانية" ذلك أن هذه الأحداث كانت في مصلحة القوى الأميركية السائرة على هذا النهج فقط. ويتابع إيفاشوف قائلا "تتسلل إلى الذهن لا إراديا فكرة عبثية: ألا تكون عملية الطائرات المنغرزة في مركز التجارة العالمي والبنتاغون استفزازا شاملا مدبرا بدقة فائقة؟".

وفي سياق آخر يرى إيفاشوف أن تصرفات ووضع بن لادن يستدعيان تساؤلات جدية منها "لماذا يظهر بن لادن ميوله المتطرفة في تلك اللحظات التي تتلبد فيها الغيوم حول إسرائيل؟ إذ كان وزير الخارجية الأميركي -حسب واشنطن بوست- يزمع إعلان دعم أميركا لإقامة دولة فلسطينية مستقلة في سبتمبر فحالت الهجمات دون ذلك!. وشكك إيفاشوف حتى في التهديدات الأخيرة لابن لادن حيث اعتبرها ضربا من التبرير لإعلان بوش للحرب! واستنتج أن "من يحتاج بن لادن أكثر ليس العالم الإسلامي بل قوى أخرى مغايرة".

ثم يحلل إيفاشوف المصالح الجيواقتصادية لمدبري الاستفزاز فيستنتج أن أحد الأطراف المعنية فيه هي الشركات الأميركية والغربية متعددة الجنسية ويحلل الهدف من إنشاء التحالف الدولي فيستنتج أن الهدف منه هو تحقيق خطوة ملموسة على طريق السيطرة الأميركية على العالم. لكن المسعى الأميركي في السيطرة على العالم من خلال فرض النموذج الليبرالي الديمقراطي (وفق القيم الأميركية) اصطدم بمقاومة جاءت في المقام الأول من جانب العالم الإسلامي المتشبث بالدفاع عن تقاليده بحزم, وبما أن محاولة تقسيم العالم الإسلامي لم تفلح من خلال بن لادن وأنصاره فقد "تقرر تقسيمه على اتجاهين: استخدام القوة العسكرية لقمع إرادة الشعوب الإسلامية في الحفاظ على قيمها وروحها ونمط حياتها التقليدي, واستخدام كامل مقدرات وسائل الإعلام العالمية لتشويه الإسلام كدين ونموذج حضاري متميز".

جبهة ثالثة


النتيجة الأولى الأشد وضوحا للحرب ضد طالبان برعاية أميركا هي الانتقال واسع النطاق للمناطق الهامة في رابطة الدول المستقلة إلى مجال السيطرة الأميركية المباشرة

نيزافيسيمايا

حظي تفاقم الأوضاع على الحدود بين جورجيا وأبخازيا وما نجم عنه من تداعيات تمثلت بإصدار البرلمان الجورجي قرارا يطالب بسحب قوات صنع السلام الروسية أساسا من أبخازيا بتغطية واسعة في الصحافة الروسية التي ارتأت فيما يشبه الإجماع أن الرئيس الجورجي شيفردنادزه يحاول استغلال الوضع الناشب في أفغانستان للتخلص من المشكلة الأبخازية بينما اعتبرت صحيفة روسيا أن الرئيس الجورجي "قد رمى القفاز في وجه الكريملين" ويريد الخروج من قوام رابطة الكومنولث.

أما صحيفة نيزافيسيمايا فاعتقدت أن "ثعلب القوقاز" شيفرنادزه سعى عمدا لافتتاح "جبهة ثالثة" ضد روسيا هدفها استبدال الحماية الروسية لمنطقة ما وراء القوقاز بحماية أميركية وربطت هذا المسعى بالحرب الأميركية البريطانية ضد أفغانستان فاستخلصت أن "النتيجة الأولى الأشد وضوحا للحرب ضد طالبان برعاية أميركا هي الانتقال واسع النطاق للمناطق الهامة في رابطة الدول المستقلة إلى مجال السيطرة الأميركية المباشرة".

المصدر : الصحافة الروسية