كيف ترى العالم بعد خمس سنوات على هجمات 11 سبتمبر؟
آخر تحديث: 2006/9/19 الساعة 10:02 (مكة المكرمة) الموافق 1427/8/26 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2006/9/19 الساعة 10:02 (مكة المكرمة) الموافق 1427/8/26 هـ

كيف ترى العالم بعد خمس سنوات على هجمات 11 سبتمبر؟


فرضت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول أبعادا جديدة على كافة المجتمعات في العالم، وأسست لأنماط جديدة من التفاعلات الدولية حيث شكلت منعطفا مهما بين مرحلتين مختلفتين من العلاقات الدولية، وما كان إعلان الولايات المتحدة الأميركية الحرب على ما يسمى بـ "الإرهاب" بدءا من أفغانستان إلا إرهاصا للسلوك السياسي المرتبط بذلك التحول.

وتأتي هذه المحاولة بعد خمس سنوات على الأحداث سعيا لإثارة النقاش وتلخيص تأثير الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول في الركائز الأساسية للمجتمع والعالم برمته.

كيف ترى العالم بعد مرور خمس سنوات على هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول؟

وفيما يلي آراء بعض من الكتاب العرب:

___________________________________

أسعد أبو خليل          سميح القاسم            عبد الباري عطوان         

د. فاطمة الصائغ        د. لقاء مكي             د. منذر سليمان

أحمد البغدادي            إبراهيم غرايبة

أسعد أبو خليل، بروفيسور العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا

يمكن لك ان تقيم العالم بعد خمس سنوات من 11 أيلول على أكثر من صعيد. يمكن مثلا أن نستعمل معيار الأمن أو معيار الحرية, وهذان المعياران أساسيان في الحكم على اي تجربة سياسية. كما يمكن ان نقيم العالم مناطقيا أو عالميا. لكن مهما اختلفت المعايير أو تشعبت فمن الصعوبة بمكان ان نحكم بتصاعد مسيرة الحرية أو الامن (ان في داخل أميركا أو حول العالم), وهنا المفارقة الكبرى. فالرئيس الاميركي شن حروبا وتبنى حروبا وخرق اتفاقيات جنيف كل ذلك باسم الامن (أو هذا ما يقوله للشعب الاميركي) وباسم الحرية (أو هذا ما يقوله للشعوب العربية). لكن شكوك الرأي العام الاميركي تتصاعد باستمرار خصوصا وأنه ضحى بالحرية من أجل الحصول على الامن, أو هكذا أُكره من قبل الحكومة الاميركية. أما الشعب العربي فلم يُصدم ولم يُصاب بالخيبة: فالشعب العربي لم يصدق مزاعم أو أقوال الرئيس الاميركي ولا للحظة.

كم تغير هذا العالم في خمس سنوات. شائت سخرية الدنيا ان تضع بوش (القليل المعرفة بشؤون العالم والكثير الثقة بغرائزه) في دفة الرئاسة الاميركية يوم 11 أيلول. ولم نفق من الغيبوبة بعد. فأميركا لم تتوقف عن شن الحروب, مباشرة أو بالواسطة, ولم تكن الحرب الاسرائيلية ضد لبنان أخيرا الا حلقة في سلسلة من التفجيرات-فادارة بوش لا تختلف عن قيادة بن لادن في ايمانها بصوابية تفجيراتها وعنفها. وهي أيضا تتفق مع بن لادن في تقسيم العالم الى فسطاطين.

لكن العالم يتجه نحو أكثر من فسطاط فالولايات المتحدة لم تُوفق في مسعاها لجر العالم بأسره وراء حروب بوش: وسياسات بوش على أكثر من صعيد لم تحظ على تأييد من قبل شعوب حتى تلك الدول المتحالفة مع حكومة بوش. والعالم لم ينضم الى أحلام بوش, والتي تبدو كابوسية أكثر فأكثر. والعالمين العربي والاسلامي لم يدخلا في أتون حروب أهلية (بالنيابة عن أميركا) أرادت ادارة بوش أن تؤدي الى تنصيب "حامد كرزاي" أو "أبو مازن" في كل دولة, بالرغم من تنامي أجواء الصراعات المذهبية التي يرفضها حكماء السنة والشيعة على حد سواء. هذا العالم تغير, وسيتغير أكثر لكن لحظة 11 أيلول أدت في مدة قصيرة الى اطلاق جماح الامبراطورية الاميركية لكن محنة الامبراطورية المنتشرة تتفاقم, والانتشار العسكري الاميركي لم يؤدي الى اخضاع الشعوب الرازحة تحت الحكم الاميركي, مباشرة أو بالواسطة. على العكس من ذلك: فمشاكل أميركا المتزايدة سترتد, وهي ترتد, على حلفائها وعلى صنائعها حول العالم. هذه الامبراطورية: لم تف بوعودها, لا للشعب الاميركي ولشعوب الدول العربية والاسلامية. كل ذلك في فترة قياسية من تفشي تضعضع المنظمات الدولة التي لم تكن يوما أكثر هامشية وأكثر ابتعادا عن حل مشاكل الشعوب. العالم أقل أمنا واقل حرية, لكن الافق البعيد والابعد مخيف. وسيعي الشعب الاميركي بعد خروج بوش من البيت الابيض, مدى الضرر الذي الحقه بهم وبقضية السلام العالمي. لكن هنا يكمن الوعي المتأخر.



___________________________________

سميح القاسم، شاعر فلسطيني

الحادي عشر من سبتمبر 2001 لم يحدث تحولا عظيما كما يدعي البعض فالصراع بين العنصرية وبين الشعوب المقهورة صراع قديم وكلام بوش عن الحرب الصليبية الجديدة وعن الفاشية الإسلامية وما سماه بمحور الشر العالمي في رأيي مجرد كلام سخيف مطلقه رجل سخيف وللأسف طغمة المحافظين الجدد تقابلها أيضا طغمة الجاهليين الجدد في عالمنا العربي والإسلامي.

علينا أن نتأكد ونعرف أن غالبية بل جل إن لم يكن كل الشعب الأمريكي لا يريد حربا صليبية وسواده الأعظم يريد تقضية ( (weekendجيد وباربيكو وسيارة جديدة وتأمينا صحيا وتعليما مناسبا لأبنائه وهكذا في أوربا وفي العالمين العربي والإسلامي.

نحن لا نريد حروبا صليبية ولا نريد اختراع مبررات للجهاد ..كلما تريده شعوبنا وشعوب أوربا والعالم كله هو الحرية والكرامة لقمة العيش النظيفة والمستقبل الجيد للسلالة والذين يحاولون تخريب العالم من أنبياء الكذب ودعاة العنصرية والكراهية والاحتلال والقمع والسلب والنهب وبث البغضاء بين البشر ستلفظهم البشرية ولن تنساق وراء غرائزهم الدموية وأحلامهم الإرهابية لذلك أقول بأنه في ما يخص الأدب بعناصره المختلفة من رواية وشعر ومسرح وقصة لم يتغير شيء ...نعم تغير شيئ واحد هو أن نيويورك بعد سقوط البرجين أصبحت مدينة جميلة ذات منظر أفقي رائع

الأدب أكبر من كل هذه التحولات السياسية بل هو الذي يجمعها كلها في قالب إنساني ولا يقبل التلاعب ولذلك الكتاب والشعراء والروائيين في أمريكا وعندنا كانوا أول من اعترض على هذه العنصرية وهذه الأحداث على الجانبين



.

____________________________________



عبد الباري عطوان، رئيس تحرير صحيفة القدس العربي

أحدثت هجمات الحادي عشر من سبتمبر تغييرات كبيرة في الخريطة السياسية الدولية، وغيرت الكثير من المفاهيم، وأدخلت مصطلحات جديدة في المعاجم الإستراتيجية يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

أولا: أثبتت أن التنظيمات الصغيرة باتت قادرة على استنزاف القوى العسكرية الكبرى، وإشغالها في حروب غير تقليدية يمكن أن تضعها داخليا وخارجيا، عنوانها"الإرهاب" وأدواتها أسلحة تقليدية، ومجموعة من الشباب المتحمس الغاضب المتعطش للانتقام.

ثانيا: نجحت أحداث الحادي عشر من سبتمبر في وقف تغول العولمة وزعزعة الهيمنة الأميركية مع مقدرات العالم، وحرمان الولايات المتحدة من الاحتفال بانتصارها الكبير والتاريخي على الكتلة الاشتراكية، وانهيار الاتحاد السوفيتي.

ثالثا: كانت هذه الأحداث بداية تورط الإدارة الأميركية في حروب مكلفة ماديا وبشريا علاوة على صعوبة الانتصار فيها، وهي الحربان الرئيسيان في أفغانستان والعراق، والثالثة في لبنان، والرابعة المتوقعة ضد إيران. فقد خسرت هذه الإدارة حوالي أربعة آلاف قتيل من مواطنيها سواء كجنود أو مدنيين، وأكثر من عشرين ألف جريح، وفوق هذا وذاك 360 مليار دولار خسائر مادية. وهي كلفة عالية بكل المقاييس جاء مردودها متواضعاً. فالمشروع الأميركي بشقيه السياسي والعسكري فشل في العراق وعنوانا الحرب على الإرهاب في أفغانستان أي القضاء على تنظيم القاعدة، وقتل رئيسه الشيخ أسامة بن لادن، وحليفه الملا عمر زعيم حركة طالبان لم يتحقق أي منهما، فالرجلان ما زالا على قيد الحياة، ويعيدان تنظيم صفوفهما مجددا ويلحقان خسائر كبيرة بالقوات الأميركية. أما حميد حميد كرزاي فقد اختفى عن المسرح السياسي أو كاد. ولوردات الحرب عادوا يعيثون فسادا في أفغانستان، وإنتاج الأفيون تضاعف عشر مرات وأصبح يشكل ما نسبته 95% من استهلاك العالم الغربي.

رابعاً: الكراهية لأميركا Anti Americanism أصبحت عقيدة عالمية بدأت تحل محل عقائد أخرى مثل الشيوعية. وبدأنا نشاهد عودة لإحياء التأثيرات القديمة المعادية للاستعمار الأميركي الجديد، ولكن بشكل أكثر خطورة، وصعود اليسار في أميركا الجنوبية وتحالفه المتنامي مع التيار الإسلامي المتشدد، هما أحدث ظاهرة سياسية تجتاح العالم. وهذا التحالف المصالحة إذا ما تطور قد يؤدي إلى حصار خانق لأميركا يضعف سيطرتها على العالم كقوة عظمى وحيدة.

خامسا: أثبت زعيم تنظيم القاعدة الشيخ أسامة بن لادن بأنه يملك رؤية إستراتيجية ضخمة تتفوق كثيراً على الرؤية المضادة للإستراتيجية الأميركية. فقد كان يؤمن بأنه لا يستطيع محاربة أميركا على أرضها، ولكنه يمكن أن يحاربها وربما يهزمها لوجرها إلى حروب خارج أرضها، واستخدام أحداث الحادي عشر من سبتمبر كعمود أساسي لهذه الإستراتيجية، وفعلا نجح في تحقيق أهدافه، وهاهي أميركا تتورط في حروب خاسرة وفاشلة في العراق وأفغانستان تلعب " القاعدة" فيها دورا رئيسيا.

سادسا: نجحت أحداث الحادي عشر من سبتمبر في زعزعة الأنظمة الديكتاتورية العربية وكشف دورها القمعي في توسيع دائرة التطرف الإسلامي، وظهور تنظيماته المسلحة كرد على هذا القمع. مثلما فتحت أعين الإدارة الأميركية وحليفاتها الغربية على حجم العبء الذي تشكله هذه الأنظمة على كاهلها. ويعود الفضل إلى تنظيم القاعدة في كل الأحاديث الحالية عن الإصلاح الديمقراطي ونشر الحريات في العالم العربي.

سابعا: كشفت أحداث الحادي عشر من سبتمبر أن إسرائيل وجرائمها هي المصدر الأساسي لعدم الاستقرار في العالم، والذخيرة الأقوى التي تستخدمها الجماعات المتطرفة لتجنيد الأنصار والاستشهاديين.

ثامنا: أحدثت هذه الهجمات انقلابا تاريخيا في مفهوم الإعلام، وقلب جميع نظرياته. وأوجدت حرباً جديدة لم تكن موجودة، وهي : الجهاد الالكتروني".

وأول ضحايا هذه الحرب هو الإعلام التقليدي، ومصداقية الإعلام الأميركي وظهور الإعلام البديل وهو إعلام الانترنت أولا، وإعلام العالم الثالث، أي فضائيات متطورة مهنيا وتقنيا مثل "الجزيرة" وبشكل أقل "المنار" و" العربية".

تاسعا: خسرت الإدارة الأميركية جميع حروبها في كسب عقول المسلمين وقلوبهم، رغم أنها أنفقت أكثر من ملياري دولار وأنشأت محطات وشركات علاقات عامة، لأن العيب ليس في البائع وإنما في البضاعة التي يصعب تسويقها.





_________________________________


د. فاطمة الصائغ، أستاذة جامعية لتاريخ الخليج العربي

أحداث الحادي عشر من سبتمبر أيلول 2001 أحدثت شرخا عميقا في علاقات الدول بعضها ببعض وأثرت سلبا على العلاقات بين دول العالم الأول والثالث. لذا فليس من المستغرب أن يشبها البعض بالبركان السياسي الذي أخرج حمما على شكل تأثيرات سياسية ونفسية بعيدة المدى على جميع شعوب العالم. وإذا كانت شعوب العالم قد تأثرت بشكل أو بأخر بهذا البركان, فالشعوب العربية كانت هي الأشد تأثرا. فلا غرو فالعالم العربي الذي يقع في وسط العالم وحلقة وصل بين الشرق والغرب سيظل لزمن طويل يعاني من افرازات الحادي عشر من سبتمبر التي أثرت بلا شك على جميع جوانب الحياة فيه.

كان هدف أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة من هذه الهجمات تلقين الولايات المتحدة درسا قاسيا لا تنساه وجعل العالم الإسلامي أكثر أمنا. وكانت الوسيلة هي تقسيم العالم إلي معسكرين لا ثالث لهما: دار الإسلام, ودار الكفار, دار السلم ودار الحرب. أعتمد تنظيم القاعدة المنهج العقلي القائم على القوة لأبعاد النفوذ الأمريكي غير مدركا بأن التاريخ أنما هو حلقات قائمة ليس فقط على القوة والنفوذ والهيمنة وإنما على التواصل بين حضارات وشعوب العالم. وقد أثبت منطق القوة على مدى التاريخ فشله حيث لم تعمر أبدا دولة أو قوة اعتمدت فقط مبدأ القوة منهاجا.

لجأ تنظيم القاعدة إلي محاربة الولايات المتحدة بالتقنية التي كانت تصدرها للعالم وتعتبرها مصدر قوة لها. فجميع من اشترك في التخطيط والتنفيذ لهجمات الحادي عشر هم من خريجي المدارس الفكرية والمهنية الغربية. كما أنهم جميع استخدموا وسائل التمويه والزج بالأبرياء والعزل لتحقيق مآرب سياسية وعقائدية ضيقة . تنظيم القاعدة أيضا لم يبال بما قد يفرزه ذلك التحدي غير المتوازن بينه وبين الولايات المتحدة من تأثيرات على الدول العربية والإسلامية على المدى الطويل. فقد وجهت له الانتقادات بأنه , وفي سبيل تحقيق مأرب شخصية لقادته وأنصاره , قد ضحى بالمصلحة العليا للعرب والمسلمين في سبيل مصالح شخصية ووقتية ضيقة.

وكما قسمت القاعدة العالم إلي قسمين, أنقسم العالم تجاهها إلي قسمين أيضا: قسم يؤيد ما قامت به القاعدة ويرى فيه انتفاضة الضعفاء ضد الأقوياء, انتفاضة الشرق الملتزم المحافظ ضد الغرب العلماني المنحل, وقسم أخر يرى فيه تحدى لا طائل منه حيث أنه جعل العالم ككل أكثر خطرا بجره إلي شفة الهاوية , وإعطاء أنصار صراع الحضارات الدليل القوي.

كانت تأثيرات الحادي عشر على العالم العربي من العمق بحيث يجزم البعض بأنها لا بد وأن تكون مدبرة من قبل الولايات المتحدة نفسها وبالأخص من قبل الحزب الجمهوري. فلا يمكن أن تتطابق تأثيراتها البعيدة المدى مع مصالح الولايات المتحدة في العالم العربي بهذه الطريقة المدروسة والمنظمة. فلا يمكن أن تأتي في الوقت المناسب لتقدم للولايات المتحدة العذر الملائم لغزو كلا من أفغانستان والعراق المرتبطتين كل الارتباط بالمصالح البترولية الأمريكية في العالم , ولا يمكن أن تأتي في الوقت المناسب لتقدم للرئيس جورج دبليو بوش ورقة انتخابية ناجحة أسمها الحرب على الإرهاب, ولا يمكن للرئيس بوش أن يجدد حالة الطوارئ لسنة أخرى تنتهي مع ولايته الثانية. أنها جميعها قرائن وأدلة , لو فكرت فيها القاعدة هل كانت فعلا سوف تشن تلك الهجمات؟



ـــــــــــــــــــــــــ



د. لقاء مكي، باحث وأكاديمي عراقي

بعد خمس سنوات تبدو إدارة بوش اقل قدرة على إدامة زخم هجومها على العالم وأكثر انكشافا وتعريا أمام الجميع بمن فيهم الرأي العام الأميركي .

استثمرت إدارة بوش اثر الصدمة لتضع كل من الرأي العام الأميركي والدولي في دائرة محكمة من الشك والخوف والتضليل لتحصل على ما تريد من موارد وحلفاء ووقت في ما وصفته بالحرب على الإرهاب، لكن سلوك الإدارة بمجمله وخلفية هذه الإدارة ومرجعياتها الفكرية وما انكشف من أسرار ووقائع خلال السنوات الخمس بات يبرهن على إن الهجمات كانت هي الفرصة التي انتظرتها إدارة بوش لتنفيذ مخطط أصبحنا جميعا نعرف أن المحافظين الجدد في واشنطن وضعوه حتى قبل فوز بوش بالرئاسة عنوانه الهيمنة الأميركية المطلقة على القرن الواحد والعشرين.

هيأت أحداث سبتمبر لإدارة بوش أن تعيد إلى الصدارة منطق القوة العسكرية كمعيار للسطوة الدولية بعد أن تراجع نسبيا عقب انهيار المعسكر الاشتراكي ، ومكنتها من تحطيم هيبة القانون الدولي وهي تغزو العراق، وتتلاعب بالأمم المتحدة وتقيم السجون السرية والعلنية لمن تعتبرهم أعدائها، وباتت معظم حكومات العالم مشغولة بإرضاء أميركا والبرهنة على الوقوف معها، مستذكرة مقولة بوش الفاشية " من ليس معنا فهو ضدنا".

والمهم في السلوك الأميركي إن جله تم بموجب أجندة مسبقة وليس ردا على الأحداث أو لمنع تكرارها، غزو العراق تم في هذا الإطار ولذلك نجد مساعدا لبوش هو ريتشارد كلارك يعترف بان رئيسه كان يريد من الجميع أن يشيروا إلى صلة العراق بهجمات سبتمبر فيما كان برجي نيويورك مازالا يحترقان، وهذه الأجندة المسبقة تشمل أمورا كثيرة أخرى، بما في ذلك مخطط ما يسمى بالشرق الأوسط الجديد.

لكن، ومع إن إدارة بوش نجحت في ترويض حكومات ونظم في الغرب والشرق، وسيطرت على إرادة الشعب الأميركي، إلا أن شعوبا عديدة في مقدمتها أول المستهدفين من الحملة الأميركية وهم العرب، ردوا على السلوك الأميركي بإرادة الممانعة والمقاومة وبرهنوا إنهم أكثر شجاعة بل وأكثر حكمة من حكامهم، وان إرادة الهيمنة الأميركية باتت تصطدم بعد خمس سنوات من البطش الفاشي بإرادة الرفض الشعبية العربية التي لا يهمها أن تكون ضد أميركا، لكن يهمها جدا أن لا تكون معها.



_________________________________

د. منذر سليمان، مدير مكتب مجلة المستقبل العربي في واشنطن

لا يحتاج المرء إلى عناء كبير ليستخلص من استطلاعات الرأي أن مكانة الولايات المتحدة وصورتها وسمعتها في تراجع وتدهور، ولا يقتصر الأمر على العالمين العربي والإسلامي، بسبب إتباع الإدارة الحالية لسياسة التدخل العسكري بذريعة محاربة الإرهاب في حربها الطويلة والمفتوحة زمنيا وجغرافيا.

يفيدنا استطلاع أجراه مركز بيو ( PEW ) للأبحاث في 13/6/2006 حول نظرة العالم عن الولايات المتحدة وسياستها الخارجية، وخاصة لدى الدول غير العربية والإسلامية بالصورة التالية حول التراجع في النظرة الإيجابية نحو الولايات المتحدة:

الدولة        عام 2000                    عام 2006

بريطانيا         83%                       56%

فرنسا            62%                      36%

ألمانيا            78%                      37%

اسبانيا           50%                       23%

واعتقد انه لم يتم أخذ عينات جديدة من الرأي العام في نفس البلدان المذكورة أعلاه بعد الحرب الإجرامية الإسرائيلية المدعومة أميركيا على لبنان مؤخرا لجاءت النتائج بمعدلات منخفضة جدا عما نجده أعلاه.

ما تعكسه هذه الأرقام مقرونة بانخفاض شعبية الرئيس بوش في استطلاعات الرأي الأميركية، إلى درجات غير مسبوقة في تاريخ الرؤساء الأميركيين هو غياب الثقة والشعور بالأمن لدى المواطن الأميركي إضافة إلى الشك والريبة بسياسة هذه الإدارة ونهجها في التعامل مع القضايا الدولية بما فيها القضية التي تحولت إلى ما يشبه الصناعة الأمنية في الولايات المتحدة.. عنيت قضيت الإرهاب.

ما يعمق الشعور بعدم الثقة والشكوك بقدرة هذه الإدارة على تعديل نهجها العاثر أو تصويب سياستها هو الإصرار على اعتماد خطاب دعائي مشحون بالمواقف الأيدلوجية قبل وخلال الذكرى الخامسة لهجمات 9/11.

سلسلة الخطب التي أطلقها الرئيس بوش الابن مضافة إلى خطب تشيني ورامسفيلد، تتقاطع على المبالغة والاستغلال السياسية لهجمات 9/11 لتوظيفها في المعركة الانتخابية النصفية القادمة للكونغرس.

وأخطر ما يتضمنه الخطاب الإعلامي والسياسي لهذه الإدارة هو إلصاق تهم الفاشية والنازية والعنصرية بالإسلام عبر الحملة الدعائية المركزة على ما تصفهم بالمتطرفين والراديكاليين الإسلاميين.. ومحاولة إسقاط مقارنة غير منطقية أو الواقعية على الوضع الراهن باستحضار انتقائي لمرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية علما إن الفاشية والنازية والعنصرية منتوجات العالم الغربي ( المتحضر ) ولا تمت بأي صلة لتعاليم الإسلام أو تجربته.

تتصرف الولايات المتحدة بعد هجمات 9/11 وكأنها دولة فوق القانون، ويحقق لها استباحة العالم في حرب انتقامية غير محدودة ويتواطأ بقية العالم عن عجز أو خوف أو بانتظار الفرج مع هذه الوضعية الشاذة لنظام دولي يفتقد التوازن الضروري لحماية الأمن والسلم العالمي، ويعجز العالم ومؤسسته المنوطة بتحفظ الأمن مثل الأمم المتحدة عن وقف حرب الدمار والانتقام الإسرائيلية على لبنان لأكثر من شهر ويغمض عينيه عن جرائم إسرائيل في حرب التصفية الدائمة للشعب الفلسطيني.

عالم ما بعد هجمات 9/11 محكوم بتجاوز الأولويات التي تخدم تحقيق أهداف السلم والعدل في العالم مثل مجابهة الفقر والجوع وتدمير البيئة والجهل والمرض وحل النزعات الإقليمية المزمنة على قواعد الشرعية الدولية والحق والعدل، والتخلص من ترسانة أسلحة الدمار الشامل وجعل العالم كله منطقة بعد منطقة خال من أسلحة الدمار الشامل وبرامجها.. هذه التحديات تفرض عالما ليس فيه هواجس صناعة الإرهاب لتبرير سياسة التسلط والهيمنة والتدخل العسكري والإنفاق على التسلح.. عالما يعيد صياغة نظام دولي قائم على قوة القانون وتحقيق التوازن.

فهل جرب العالم أن يهتم بمعالجة هذه الأولويات قبل الإصرار على محاربة أشباح الإرهاب؟



________________________________

أحمد البغدادي، كاتب وأكاديمي كويتي

وفقا لما حدده المفكر العظيم ميكافيللي الذي قنن مبدأ القوة في العلاقات الدولية بإعتبارها عنصرا متغيرا على أرض الواقع يتم تحقيقها من خلال أي وسيلة وبغض النظر عن مدى أخلاقياتها بالقياس الفردي، بمعنى أن مثل وقيم الدولة المتعلقة بهدف حفظ الوطن والمواطنين إنما تجد مشروعيتها فيما تحققه من نتائج لصالح هذا الهدف الأسمى  عند صانع القرار. ولو نظرنا لنتائج أحداث الحادي عشر من سبتمبر  لوجدنا التالي:

1- تحرير الشعب الأفغاني من نير الحكم الإسلامي الطالباني.

2- تحرير الشعب العراقي من طغيان الحكم الصدامي.

3- فرض أجندة الإصلاح السياسي على السعودية والكويت ومصر.

4- تغيير المناهج الدراسية بتعديل موضوعاتها  لكي تكون أكثر تلائما مع الواقع.

5- حصول المرأ الكويتية على حقوقها السياسية.

6- تنامي وتيرة قضايا حقوق الانسان ولو ببطئ في بلدان ما كان من الممكن قبل 11/9/2001 أن تقبل بأي ضغط مثل السعودية.

7- تنامي التطور الديمقراطي الذي توقف منذ اكثر من ربع قرن أي منذ هيمنة الجماعات الدينية في بداية الثمانينات.

8- كشف العلاقة بين الجماعات الدينية والجماعات الإرهابية حول العالم  وتجميد حسابات هذه الجماعات ووضعها تحت الرقابة الدولية.

9- خضوع الدول المتواطئة مع هذه الجماعات كالأنظمة الكويتية والسعودية والمصرية للمحاسبة والرقابة.

10- تجميع القوى الإرهابية في مكان واحد هو العراق ومن ثم سهولة المواجهة العسكرية معهم.

هذا غيض من فيض للنتائج الإيجابية التي تمخضت عن أحداث 11/9/2001 والمستقبل يحمل للبشرية القليل من الألام والكثير من الأمال الواعدة.



________________________________

إبراهيم غرايبة، كاتب أردني

برغم كل الأحداث والتحولات العالمية الكبرى التي جرت عقب أحداث الحادي عشر من أيلول فإن السؤال الأساسي البسيط عن أهمية الحدث والتحولات والسياسات الكبيرة التي أعقبتها يظل منطقيا وبديهيا، ولكنه برغم بساطته وبديهته لم يحظ بإجابة ومناقشة كافية ومقنعة، وشغل العالم بالأحداث التالية والتابعة أكثر مما شغل بالقصة الأولى، فقد احتلت دول وتغيرت أنظمة وتشريعات سياسية واقتصادية في العالم كله، ووقعت معارك وحروب وصراعات ذهب ضحيتها مئات الآلاف، وأهدرت أرواح وأموال وموارد تفوق بأضعاف مضاعفة الخسائر الناجمة عن الإرهاب، وتعرضت الحريات والحقوق لانتهاكات جديدة حتى في الدول الديمقراطية، ولا يبدو أن الإرهاب والعنف قد تراجع، بل العكس فإن موجات متلاحقة من الكراهية تتصاعد وترشح العالم لمزيد من العنف والصراع، وكان من الممكن تجنب ذلك كله، وكان من الممكن مواجهة الإرهاب والعنف بدون هذه الخسائر والتضحيات الكبرى التي لم تحقق أهدافها المفترضة، ولذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بقوة أكثر من أي قضية أخرى، هل من سبيل إلى استراتيجيات وسياسات بديلة لمواجهة العنف والإرهاب لا تؤدي إلى ماهو أسوأ من الإرهاب نفسه أو تسوق العالم إلى إرهاب جديد أكثر عنفا وقسوة ووحشية؟

هذه التعبئة الشاملة ضد"الفاشية الإسلامية" شغلت المجتمعات والدول بقضايا أقل أهمية وتركت الفقر والمرض والوباء والأمية والفجوات الاقتصادية والجريمة المنظمة والتلوث والفساد وتحديات وفرص التنمية والتعليم والإصلاح والرعاية الصحية والاجتماعية والتقنية والمعرفة مغيبة بلا خطط كافية لمواجهتها والتعامل معها.

ولا بد من التعرض هنا أيضا لخرافة التفسير الأيديولوجي والفكري لما جرى ويجري من عمليات مسلحة "غريبة الأطوار" والتي تحولت إلى حفلة زار يشارك فيها إعلاميون ومفكرون وسياسيون عرب وغربيون دون ملاحظة أن النصوص الإسلامية موجودة مذ ألف وأربعمائة سنة، و"الكفار" موجودون في كل مكان وزمان، ودون اعتبار في التحليل للعولمة وتجلياتها في الصعود الديني في جميع أنحاء العالم، واليمين المتطرف الصاعد أيضاً في كل الأديان والبلاد، وإن كان ثمة رغبة حقيقية في مكافحة الإرهاب أو تشجيعه واستفزازه، والشعور بالعدل والرضا والظلم والقهر والاستغلال والذي لا يمكن إلغاؤه أو تجاهله، والاستبداد والحرية، والاختيار والحتمية اللتين يوضع فيهما الأفراد والجماعات، والفساد والإفساد الاقتصادي والسياسي، وحقائق وتداعيات مرحلة المعلوماتية والاتصالات.



 

المصدر : الجزيرة