مشاركة الكنيسة والصعيد في المظاهرات التي عمت مصر كانت محدودة (الأوروبية)

محمود جمعة-القاهرة
 
في زخم الاحتجاجات التي غطت معظم المحافظات المصرية والتي عرفت بـ"مظاهرات الغضب"، كان الغياب اللافت للكنيسة ومدن الصعيد مثار تساؤل المراقبين الذين رأوا في موقف الأولى "تخلّيًا" عن الدور الوطني المعروف للمؤسسة الدينية المسيحية، وعابوا على الثانية انسلاخها عن المشهد الاحتجاجي العام.
 
واستبقت الكنائس المصرية الثلاث (الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية) المظاهرات التي بدأت يوم 25 يناير/كانون الثاني بدعوة الأقباط إلى مقاطعتها وعدم النزول إلى الشوارع للمشاركة فيها.
 
ودعا بعض الكنائس إلى إقامة قداس للصلاة يوم الاحتجاج لصرف المسيحيين المتدينين عن هذه المظاهرات، كما كرر بابا الأقباط في مصر البابا شنودة في ثاني أيام المظاهرات دعوته الأقباط إلى "عدم المشاركة في المظاهرات وعدم الخروج عن الشرعية".
 
لكن مراقبين وتقارير صحفية غطت الاحتجاجات الواسعة أكدت وجود مشاركة فاترة لبعض من الشباب المسيحي رغم عدم القدرة على التفرقة بين الطوائف المشاركة في الاحتجاجات بسبب اتفاق منظميها على عدم رفع أية شعارات أو لافتات دينية أو حزبية.
 
كما شهدت منطقة شبرا بالقاهرة -وغالبية سكانها من الأقباط- واحدة من أكبر المظاهرات وأشرسها في اليوم الأول للاحتجاجات قادها نشطاء أقباط معروفون مثل عضو حزب الوفد رامي لكح.
 
وفي الصعيد، غابت معظم المدن عن المشهد الاحتجاجي إلا من بعض المظاهرات الخجولة، وقال مراقبون إن التشديد الأمني المعروف في مدن الصعيد وغياب التغطية الإعلامية عنه لبعده عن العاصمة، ساهما في تراجع الاحتجاجات في هذا الإقليم.

حبيب أيد دعوة الأقباط إلى الخروج للاحتجاج مع المسلمين بعد صلاة الجمعة (الجزيرة نت-أرشيف)
خطأ كنسي
المفكر القبطي رفيق حبيب أدان موقف الكنيسة المصرية بدعوة الأقباط إلى مقاطعة الاحتجاج، واصفا إياه بالموقف الخاطئ وغير المدرك لطبيعة الشعب المصري الذي توحدت مطالبه.
 
وأكد حبيب أن خروج المسلمين والأقباط في نضال مشترك لرفع الظلم عن الشعب كله هو الحل العملي والحقيقي لإعادة اللحمة الوطنية التي اعتراها التوتر مؤخرا.
 
ونبه حبيب إلى أن قبضة الكنيسة على الأقباط ضعفت وأن الغالبية العظمى منهم يخالفون رأي الكنيسة بسبب ارتباط الكثير من مواقفها بالتعليمات الحكومية، وقال "قد تكون دعوة الكنيسة إلى مقاطعة الاحتجاجات أثرت بشكل ما، لكن الملاحظ أن مشاركة الأقباط في التظاهرات تتزايد يوم بعد يوم".
 
واعتبر أن موقف الأزهر الشريف بعدم الخوض في الاحتجاجات القائمة كان أكثر ذكاء من الموقف الكنسي، وقال "إن الأزهر أدرك الرغبة العارمة عند الناس في التعبير عن الغضب والمطالبة بحقوقها وبالتالي لم يخاطر بمصداقيته التي يحاول شيخه الجديد الدكتور أحمد الطيب استرجاعها بعد تعرضها لاهتزاز قوي في الفترات الماضية".
 
وأشاد بخلو المظاهرات الجديدة من أي شعار ديني، وقال إن ما يحدث الآن "هو خروج للشعب من تحت عباءة الخوف بشكل غير مخطط أو ممنهج أو برامج لتيارات دينية أو سياسية معينة".
 
وأيد حبيب دعوة الأقباط إلى الخروج من الكنائس بالتزامن مع خروج المسلمين من المساجد عقب صلاة الجمعة غدا للتعبير المشترك وإثبات أن مشكلة عنصري الأمة مسلمين وأقباطا مع النظام الحاكم وليست بين بعضهم وبعض.
 
وتطرق المفكر القبطي إلى غياب محافظات الصعيد عن المشهد الاحتجاجي، رافضا تحميل الأقباط –الذين يمثلون نسبة كبيرة من سكان هذا الإقليم– مسؤولية تلك السلبية في الاستجابة للتظاهر بدعوى أن أقباط الصعيد أكثر ارتباطا بكنائسهم.
 
وقال رفيق حبيب إن الأمر لا يتعلق بالأقباط، وإنما بوجود قبضة أمنية حديدية في الصعيد، إضافة لكون الإقليم بعيدا عن العاصمة وعن تغطية وسائل الإعلام المحلية والأجنبية وكون الدعوة إلى التظاهر جاءت عبر الإنترنت وهو مجال ليس بالنشط في الصعيد.

عبد النور: التشديد الأمني أثر كثيرا على مشاركة الصعيد في السياسة (الجزيرة-أرشيف) 
قبضة أمنية
واتفق السكرتير العام لحزب الوفد منير فخري عبد النور مع الرأي المتعلق بتدني مشاركة الصعيد السياسية بشكل عام، معتبرا أن الطبيعة الجغرافية لهذا الإقليم وضيق الوادي الذي يجعل المحافظات تمتد فيه كشريط طولي دون توسع دائري هو ما يسهل إحكام القبضة الأمنية والتضييق على مفاصل العمل السياسي هناك.
 
ورفض عبد النور –وهو قبطي من محافظة سوهاج بصعيد مصر- في تصريح للجزيرة نت ربط غياب الصعيد عن المشاركة في الحراك السياسي بمسألة طبيعة التكوين القبلي والعائلي لسكانه.
 
وقال إن هذا الأمر انتهى منذ سنوات طويلة حيث لم يعد كبير العائلة أو الأسرة صاحب أمر نافذ على أبنائه، وأصبح في الأسرة الصعيدية الواحدة الآن آراء متعارضة وثورة للجيل الجديد حتى على بعض التقاليد المحلية الراسخة.
 
واعترف عبد النور بتقصير الأحزاب السياسية في التواصل مع أبناء الصعيد لكنه حمل الدولة جانبا كبيرا من المسؤولية عن هذا بسبب غياب التنمية والتثقيف وضعف وسائل الاتصال والمواصلات مع الصعيد فضلا عن التضييق الأمني على نشاط الأحزاب.

ورفض عبد النور الرأي القائل بأن سلبية الصعيد السياسية مردها انتشار الحركات الإسلامية فيه مما جعله متشككا في الحركات التي تحمل أجندة غير إسلامية، منبها إلى أن وجود جماعة الإخوان المسلمين في الصعيد ضعيف مقارنة بالوجه البحري، مستدلا على ذلك بانتخابات 2005 التي حصد فيها الإخوان 88 مقعدا بالبرلمان كان نصيب الصعيد منها ضئيلا مقارنة بالوجه البحري.

ورغم ذلك، يؤكد عبد النور أنه خلال مظاهرات الغضب الحالية سجلت محافظات عدة بالصعيد مثل أسيوط والمنيا وقنا وسوهاج بعض التجمعات الاحتجاجية والمظاهرات، مما يعني أن الصعيد بدأ الدخول على الخط السياسي، وقال "نأمل أن تستمر هذه الصحوة لما يمثله الصعيد من أهمية وعمق كبيرين للحركة السياسية على مدى تاريخ مصر".

المصدر : الجزيرة