مدينة بنغازي تأسست قبل سنة 525 ق.م (الجزيرة) 

كانت مدينة بنغازي (1000 كيلومتر شرق العاصمة طرابلس) أول المدن الليبية التي شهدت انطلاق ثورة الفاتح من سبتمبر/أيلول 1969 التي أوصلت الملازم أول وقتذاك معمر القذافي إلى سدة الحكم، وها هي ذات المدينة تتصدر اليوم مشهد الاحتجاجات المطالبة بتنحي القذافي ذاته.
 
في يناير/كانون الثاني عام 1964 نظمت مجموعة من الطلاب في مدينة بنغازي مظاهرة كان الهدف منها إعلان التأييد لمؤتمر قمة عربية كان يعقد في القاهرة، لكن الهتافات في المظاهرة -التي لم يكن مرخصا لها- تحولت إلى انتقاد لتغيب الملك إدريس السنوسي –الذي كان خارج البلاد للعلاج- وتكليف ولي عهده الأمير الحسن بحضور المؤتمر.
 
وحاول رجال الأمن تفريق المظاهرة ثم تصاعد التوتر وانتشر، واستخدمت قوات الأمن الهري ثم الرصاص الحي لقمع المتظاهرين الذين سقط منهم ثلاثة قتلى وعدد من الجرحى، ودامت تلك المظاهرات أياما وخلقت جوا من عدم الثقة بين الناس وقوات الأمن، لكن الأهم أنها كانت نواة لشيء أكبر.
 
فبعد أعوام قليلة على تلك الحادثة تشكلت حركة الضباط الوحدويين الأحرار في الجيش الليبي بقيادة الملازم أول معمر القذافي، وقامت بالزحف على مدينة بنغازي لتحتل مبنى الإذاعة، وتحاصر القصر الملكي بقيادة الضابط الخويلدي محمد الحميدي، وتستولي على السلطة في الأول من سبتمبر/أيلول 1969، بعد أن سارع ولي العهد وممثل الملك بالتنازل عن الحكم.

بنغازي والقذافي
ورغم هدوء الأوضاع في بنغازي بعد حكم القذافي، فإن التوتر ما لبث أن عاد من جديد، وكانت قضية سجن بوسليم الواقع في ضواحي طرابلس من أبرز القضايا التي ألبت مشاعر أهالي بنغازي على نظام القذافي.
 
ففي 29 يونيو/حزيران 1996 قامت قوات خاصة بمداهمة سجن بوسليم، وفتحت النيران على سجناء عزل موقوفين لانتمائهم لجماعات إسلامية، وقتلت نحو 1200 سجين.
 
وظلت تلك القضية أمرا ممنوعا الحديث عنه في ليبيا حتى عام 2009 عندما أعلن سيف الإسلام نجل القذافي أن مسؤولي الشرطة وسجن بوسليم سيقدمون للمحاكمة بسبب تلك الحادثة.
 
أهالي ضحايا بوسليم كانوا ينظمون اعتصامات أسبوعية (الجزيرة-أرشيف)
ومنذ ذلك التاريخ ينظم أهالي الضحايا في بنغازي وقفات ومظاهرات أسبوعية كل يوم سبت للمطالبة بتحقيق عادل ومستقل في القضية وتحقيق مطالبهم، وكانوا في مرات عديدة يتعرضون للضرب والمنع.
 
كما كانت عدة أسر فقيرة في بنغازي تنظم اعتصامات للمطالبة بتحسين ظروفها، ففي يناير/كانون الثاني الماضي نفذت عشرات الأسر في المدينة اعتصاما داخل مقر أمانة مؤتمر الشعب العام (البرلمان) للمطالبة بتوفير سكن وتحسين ظروفهم المعيشية.
 
وجاء هذا الاعتصام لهذه الأسر بعدما أخلت أجهزة الأمن وحدات سكنية اقتحمها مواطنون مطلع الشهر ذاته في بنغازي وأغلب المدن الشرقية لليبيا، للمطالبة بتوزيع عادل للمساكن.
 
ومع اندلاع الثورة التونسية ونجاحها في خلع الرئيس زين العابدين بن علي، وما تلاها من ثورة شعبية مصرية نجحت هي الأخرى في خلع الرئيس المصري حسني مبارك، تحرك أهالي ليبيا ليعبروا عن عدم رضاهم عن نظام القذافي المستمر منذ 42 عاما، ويطالبوا بالتغيير.
 
وكانت الشرارة الأولى لهذا التحرك في 15 فبراير/شباط 2011 من بنغازي ذاتها، حيث نظم متظاهرون احتجاجات تطالب بتنحي القذافي، فتصدى لها الأمن وأسفرت عن إصابة 38 شخصا.
 
ومنذ ذلك الوقت تصاعدت الاحتجاجات في المدينة ومدن عديدة بشرق البلاد للمطالبة بإسقاط نظام القذافي.
 
وفي تاريخ 19 فبراير/شباط 2011 أعلن شهود عيان أن بنغازي ثانية المدن الليبية الكبرى أصبحت خارج سلطة الحكومة الليبية، ولم يعد للسلطات فيها أي وجود، بعد أن أحرقت جميع مراكز الشرطة في المدينة.
 
ويبدو أن هذه المدينة -ذات التاريخ العريق، والتي تأسست قبل سنة 525 ق.م، وتضم ضريح رمز الجهاد الوطني في ليبيا عمر المختار، وكانت مركز صعود القذافي إلى سدة الحكم قبل 42 عاما- تتجه هذه المرة إلى قيادة حركة الإطاحة به وبنظامه.

المصدر : الجزيرة