رانيا الزعبي

قبل عشر سنوات ولدت الجزيرة، كأول قناة عربية متخصصة بالأخبار، في وقت كان الإعلام العربي يتجه فيه  إلى البرامج الخفيفة والمنوعات بذريعة "الجمهور عاوز كدة" كما يقول أول مدير للقناة محمد جاسم العلي، مما جعل الكثير من الإعلاميين العرب يتنبأ بفشل التجربة، وقالوا له "من ذا الذي سيستمع للأخبار طيلة اليوم".

الجزيرة كما يرى القائمون على تأسيسها كانت مغامرة وتحديا إلى أبعد الحدود، لكن نتائج هذه المغامرة جاءت أسرع مما كان متوقعا، فمنذ الأشهر الأولى اكتسبت ثقة الشارع العربي، وفي ظرف عامين فقط استطاعت أن تزاحم وسائل الإعلام العالمية على الصدارة، وتفوقت عليها في كثير من المناسبات، وغدت الشاهد الوحيد على أحداث مفصلية تاريخية إقلينيا وعالميا، كما أعادت رسم الخريطة السياسية وربما الجغرافية للعديد من دول العالم.

نجاح الجزيرة دفع الكثيرين إلى التساؤل عن هوية الشخص الذي كان وراء إطلاق الجزيرة، وحقيقة أهدافه، وفيما إذا كان يتوقع لها كل هذا  النجاح الذي حققته؟

الجزيرة كفكرة
صاحب الفكرة في تأسيس قناة الجزيرة، كما ذكر رئيس مجلس إدارة شبكة الجزيرة الشيخ حمد بن ثامر آل ثاني في الذكرى العاشرة لميلاد الجزيرة الأم، هو أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي قال عدنان الشريف أحد الذين شهدوا تأسيس الجزيرة ومديرها العام في مرحلة لاحقة، إن "الأمير كان يتطلع إلى إعلام عصري يساير التطور نحو الديمقراطية في قطر".

وعن تلك المرحلة يقول الشريف في حديثه بالجزء الأول من برنامج "الجزيرة.. أرى اسمع أتكلم" إن المسؤولين القطريين كان قد لفت انتباههم قناة BBC العربية التي تميزت كأول قناة تتحدث بالعربية بجرأة الطرح وموضوعيته وكانت تبث من لندن، وطلبوا منه إعداد دراسة حول إمكانية تأسيس قناة متخصصة في قطر.

يقول عدنان "عندما كنا نعمل في BBC العربية كنت أحلم أن تنطلق مثل هذه القناة من دولة عربية، وكنت أعلم أن قطر هي المؤهلة لذلك، فأنا عملت بالإذاعة القطرية، وعاصرت نشأة التلفزيون القطري، وكان إعلاما قويا ومتميزا بالمنطقة العربية قاطبة".

وينفي محمد جاسم العلي في حديثه مع ذات البرنامج أن تكون قناة الجزيرة قامت على أنقاض BBC العربية، إذ أن الفكرة ولدت قبل وأد BBC  في لندن، لكن الذي حدث، كما يقول العلي، إنه تصادف وخلال فترة التحضير للجزيرة أن أغلقت قناة BBC، وأصبح الكثير من كوادرها بلا وظائف، فقامت الجزيرة باستقطاب المميزين منهم، ولم يزد عدد هؤلاء على 30 بين صحفي وفني.

مرحلة التأسيس
كانت الخطوة التالية اختيار موظفي الجزيرة، فتشكلت لجنة من أعضاء مجلس الإدارة الذين جابوا قارات العالم الخمس، وقابلوا مئات الإعلاميين والفنيين، ونجحت الجزيرة في استقطاب القيادات الإعلامية العربية الفذة، والفنيين ذوي المهارات والكفاءات العالية.

يقول صلاح نجم أول رئيس تحرير للجزيرة لبرنامج "الجزيرة..أرى اسمع اتكلم" والذي كان يعمل في BBC  العربية، إنه وصل مع العديد من زملائه للدوحة قبل ستة أشهر من انطلاق الجزيرة، ولم يكن مبنى القناة جاهزا بعد، لكن العمل فيه كان قائما على قدم وساق.

وعلى الفور تولى كبار الإعلاميين تدريب الصحفيين الذين وقع عليهم الاختيار للعمل في الجزيرة على أسس العمل الصحفي بمهنية وحرفية عالية، وحسب نجم فإن عدد الصحفيين عند البدء لم يتجاوز 18 صحفيا و6 منتجي أخبار و12 مذيعا.

نجاح تخطى  الحلم
يقول رئيس مجلس إدارة شبكة الجزيرة "في البداية قال الإعلاميون والمستشارون العرب الذين تم التباحث معهم بشأن إطلاق قناة إخبارية متخصصة، إن هذه القناة ستكون للصفوة وللنخب السياسية التي تهتم بالأخبار، لكن الجزيرة استطاعت أن تكسب ثقة الشارع العربي"، ولا ينكر الشيخ حمد بن ثامر في حديثه لبرنامج حوار مفتوح أن النجاح الذي حصدته الجزيرة كان أكثر مما هو متوقع لها بكثير.

يقول رئيس تحرير الجزيرة الأسبق إبراهيم هلال "كنا في البداية لا نتوقع هذا النجاح الباهر، ولعل ذلك من مصلحتنا، فقد كنا نعمل بأريحية تامة ولم نكن ندري أننا سنتربع في وقت قصير على قمة المجد الإعلامي ونصبح تحت مجهر المشاهدين وميزان محاسبتهم". أما الكثير من الإعلاميين الذين جاؤوا للدوحة للمشاركة في تأسيس الجزيرة، فلم يكونوا واثقين منذ البداية بأنه سيسمح للجزيرة أن تخرج  بهامش الحرية والجرأة الذي وعدوا به، لكنهم اضطروا لتصديق الوعود منذ أول أسبوع عمل.

وبرأي نجم فإن الجزيرة تفوقت على BBC  خلال فترة قصيرة، وتجاوزتها بخطوات، وتمكنت من بلورة هويتها الخاصة بفضل سياستها التحريرية كما أنها تفوقت بتغطيتها الميدانية، التي لم تكن تعتمدها BBC في عملها، إضافة إلى أن نوعية البرامج بالجزيرة كانت مختلفة تماما.
____________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة