ملصق مؤتمر "السياسة والفن في ميزان الأخلاق: رؤية واقعية" (الجزيرة)
 
ينظم مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق أول مؤتمراته في العاصمة القطرية الدوحة، تحت عنوان "السياسة والفن في ميزان الأخلاق: رؤية واقعية"، ويحضر المؤتمر عدد كبير من علماء الشريعة والمفكرين والفنانين لمناقشة هذه المسألة من خلال رؤية تجديدية.
 
ويفتتح المؤتمر -صباح السبت المقبل- أولى جلساته في مؤسسة قطر بكلمة لنائب مدير المركز الدكتور جاسر عودة بعنوان "مقاصد الشريعة كمنهجية للتجديد في الفكر الإسلامي"، يتحدث فيها عن فلسفة مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق الذي أنشئ حديثا في الدوحة.
 
كما سيتحدث في الندوة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، والشيخ الدكتور أحمد الريسوني، والبروفيسور محمد حسن كمال، والشيخ الدكتور علي القره داغي عن تصورات المنهجية السليمة لدراسة علم الأخلاق في الإسلام، وكيف نضمن وفاء الفتاوى الشرعية للمبادئ الأخلاقية؟.
 
وتشهد الجلسة الثانية مناقشة موضوع "الفن والأخلاق" ويتحدث فيها الدكتور يوسف إسلام، والدكتور أحمد مصطفى، والفنان حمزة نمرة، والفنانة سلوى الشودري، محاولين الإجابة على سؤالين محوريين هما: ما العلاقة بين الفن والأخلاق؟ ما تصوركم لمفهوم الفن الإسلامي؟
 
وفي الجلسة الثالثة تتم مناقشة موضوع "السياسة والأخلاق" بحضور كل من الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، والبروفيسور نورمان فلنكشتاين، والشيخ الدكتور عصام البشير، والبروفيسورة نيلوفرغل، والباحث بالمركز عاصم كولدزو.
 وسيتناول النقاش موضوع العلاقة بين الأخلاق والسياسة، وإلى أي مدى نجح الربيع العربي في تحقيق القيم الأخلاقية التي دفعته للانطلاق.

جاسر عودة: التجديد من المهام  الرئيسية لمركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق (الجزيرة)
رؤية تجديدية
وعن أهمية إنشاء المركز ورسالته قال الدكتور جاسر عودة -في حوار مع الجزيرة نت- إن رسالة المركز تتمثل في الإسهام في التجديد الإسلامي بحثا وممارسة، عن طريق إحياء دراسات الأخلاق الإسلامية وربط التشريع الإسلامي -فقها وقانونا- بهذه الأخلاق.

وأشار عودة- وهو أيضا أستاذ مقاصد الشريعة بكلية الدراسات الإسلامية بمؤسسة قطر- إلى أن أهمية المركز تأتي من عدة اعتبارات، أولها يتعلق بطبيعة الأزمات العالمية المعاصرة، وهي أزمات أخلاقية بالأساس، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو بيئية أو غيرها من الأزمات الإنسانية. ويمكن للإسلام -أخلاقا وتشريعا- أن يسهم في معالجة هذه الأزمات أو التخفيف من آثارها السلبية.

أما الاعتبار الثاني فيتعلق بافتقاد كثير من الأطروحات والمشاريع -التي تحمل أسماء إسلامية- إلى التوازن بين ثوابت الشرع ومقتضيات الواقع، فتارة تغالي هذه الأطروحات في التمسك بما تعتقد أنه ثوابت، فتميل إلى الحرفية والالتزام بالآراء البشرية الموروثة، ولو فشلت في مواجهة تحديات الواقع، وتارة أخرى تهمل ثوابت الشريعة ومعالمها، وتخضع لضغط الواقع وتوازنات القوى، وتتنازل عن القيم الإسلامية.

والمركز يتغيى إيجاد نوع من التوازن بين هذين الطرفين، وهناك اعتبار ثالث مهم -يضيف الدكتور جاسر عودة - هو حاجة أصحاب المهن المختلفة إلى معايير أخلاقية نابعة من الإسلام وثقافته الأصيلة، لممارسة مهنهم بطريقة أخلاقية تراعي القيم وتستهدف صالح الإنسان. فقد لاحظنا فراغا كبيرا في الطرح الإسلامي الأخلاقي المهني على مستوى المواثيق والممارسات كذلك.

ويؤكد عودة أن دراسة الأخلاق الإسلامية -كما وصلت إلينا من تاريخنا الإسلامي الفكري والفلسفي- هي في الغالب دراسة للفضائل الأخلاقية المجردة، وليست دراسة لتطبيقاتها، فهي تدرس الرحمة والشجاعة والكرم وحب الحق والسماحة، ولكن لا تدرس تطبيقات هذه المعاني في دنيا الناس، وخاصة في المهن والقضايا العملية.

 ويضيف أن المركز يستهدف تفعيل هذه الأخلاق في المهن والتخصصات المختلفة خاصة في ما يتعلق بالسياسات العامة، والتي ينبغي أن تكون الأخلاق والقيم في صلب فلسفتها، وفي ما يتعلق كذلك بالفتوى في قضايا العصر، والتي ينبغي أن تكون مربوطة بالأخلاق والقيم والمقاصد، ومبنية عليها.

وقد بدأ المركز -كما يقول عودة- بالعمل على ذلك في عشر مجالات بحثية أو تخصصات مهنية، هي البيئة والطب والتربية والإعلام والاقتصاد وقضايا الرجل والمرأة والطعام وعلم النفس، بالإضافة إلى المجالين اللذين نركز عليهما في هذا المؤتمر وهما السياسة والفن.

الفن الإسلامي ليس بالضرورة هو الفن بالمعنى الوعظي الإرشادي أو السياسي الإيديولوجي أو الصوفي الروحي، ومقاصد الشريعة هي التي تمثل وتحدد القيم العليا الرفيعة الجميلة للفن
"

الفن والمقاصد
ويؤكد أن فكرة المركز كانت مطروحة على مؤسسة قطر منذ عام ٢٠١٠ أي قبل التغيرات السياسية الهائلة التي حدثت منذ ٢٠١١. ولكن "الربيع العربي" والتحولات التي صاحبته -من اشتراك الإسلاميين الفعلي في الحكم، والجدل الذي لم يكن مطروحا على هذا المستوى حول قضايا كبيرة من قبل، كعلاقة الشريعة الإسلامية بالدولة المدنية، وعلاقة الهوية الإسلامية بالأقليات غير المسلمة في المجتمعات الإسلامية، والعلاقة بين الإسلام والغرب خاصة في ضوء الإسلاموفوبيا الغربية، إلى آخره - كلها أحداث أعطت دوافع إضافية للاهتمام بالمشروع والعمل على تحقيق الأهداف المرجوة منه. فالحاجة إلى خطاب إسلامي ناضج ومتوازن و"أخلاقي" أصبحت ملحة.

وحول مسألة التجديد في مهام المركز ونشاطاته، يقول عودة إن التجديد هو مهمة المركز الرئيسة، بل إن شعاره هو كتابة مبتكرة بالخط العربي لكلمة "تجديد"! ومقاصد الشريعة الإسلامية هي في قلب فلسفة هذا التجديد.

فمقاصد الشريعة هي المعاني والأهداف والغايات والمصالح التي تستهدف الشريعة الإسلامية تحقيقها في دنيا الناس وواقع الحياة، كالعدل والسماحة والتيسير ومراعاة الفطرة والجمال والأمن والشورى والتوازن.

وحول رؤيته للفن باعتباره أحد محاور اهتمام المؤتمر والمركز بشكل عام، يؤكد عودة أن الفن الإسلامي هو الفن الذي يحترم القيم والمثل والمعاني الإسلامية، ويسعى إلى نشرها وتثبيتها في دنيا الناس. وهذه المعاني ليست بالضرورة معاني عقائدية تختص بالمسلمين وحدهم، بل هي معاني إنسانية مشتركة ولو كان منبعها ومصدرها الإسلام، وليست كذلك بالضرورة معاني إسلامية بالمعنى التاريخي للكلمة كفنون الأرابسك والخط والعمارة وما إليه، رغم أن هذه أيضاً جزء من الفن الإسلامي بمعنى من المعاني.

ويرى الدكتور عودة أن الفن الإسلامي ليس بالضرورة هو الفن بالمعنى الوعظي الإرشادي أو السياسي الإيديولوجي أو الصوفي الروحي، رغم أن هذه كلها كذلك أجزاء من الفن الإسلامي بمعنى من المعاني، وأن مقاصد الشريعة هي التي تمثل وتحدد القيم العليا الرفيعة الجميلة للفن -أي فن- والتي إذا تغياها الفن نعتبره فنا إسلاميا ندعو إليه ونؤيده، ما دام في إطار الأخلاق الإسلامية.

المصدر : الجزيرة