دبابة في تمبكتو رفع عليها علم جماعة أنصار الدين التي تسيطر على المدينة (الجزيرة)

أمين محمد-تمبكتو

قد ينقسم سكان تمبكتو في المقارنة والتفضيل بين حكم السلطات المالية للمدينة الذي يعود إلى عقود من الزمن، وحكم جماعة أنصار الدين التي تسيطر اليوم بشكل شبه كامل على أغلب مفاصل المدينة، ولكنهم قطعا لن يختلفوا في أن الوجه العام لتلك المدينة الصحراوية الواقعة بين سلسلة من الكثبان الرملية، قد تغير بالكامل.

الأعلام السوداء تداعبها رياح الصحراء في سماء مختلف أحياء وشوارع المدينة في غياب أي أثر يدل على السلطات المالية، ومطار المدينة الوحيد بات مقرا للحركة الوطنية لتحرير أزواد، في حين تحولت الطائرة المالية الوحيدة الرابضة على أرضية المطار إلى مستودع تابع للمقاتلين الأزواديين.

أغلب الخدمات العامة باتت منذ الحسم العسكري وطرد الجيش المالي معطلة، ونسبة كبيرة من سكان المدينة هجروها باتجاه الدول المجاورة، والهدوء يعم المدينة ولا يقطعه غالبا إلا أصوات محركات السيارات الرباعية الدفع يجول بها عناصر أنصار الدين في أنحاء المدينة حاملين رايات وأعلاما سوداء كتب عليها "لا إله إلا الله محمد رسول الله" (صلى الله عليه وسلم).

أحد بنوك المدينة مغلق بعد نهبه (الجزيرة)

مطالب ومستلزمات
اختفت سيارات الأجرة بشكل شبه كامل، وبات على السكان المتبقين في المدينة البحث عن وسائل مواصلات جديدة سواء عبر الدراجات الهوائية، أو بواسطة العربات التي تجرها الحمير وهي وسيلة نقل بدائية ينحصر حضورها اليوم في بعض المدن الأفريقية وتستخدم أساسا لنقل البضائع لا الأشخاص.

كل البنوك والمصارف الرسمية والشعبية أغلقت أبوابها تماما، وتعرض أغلبها -إن لم يكن كلها- لعمليات سلب ونهب طالت مدخرات المودعين وتجهيزات ومعدات تلك البنوك والمصارف، وهي اليوم في وضع شبه كارثي، فلم يتم سلب مدخرات وودائع عملاء تلك البنوك فقط، بل إن مئات الوثائق التي تحوي معلومات عن التحويلات والمعاملات البنكية والودائع المالية تم العبث بها، وجزء كبير منها اليوم مبعثر ومرمي في ردهات وغرف البنوك المنهوبة.

وليست الفنادق بأفضل حالا، فهي في حالة إغلاق كامل، وأغلب المسؤولين عنها غادروا المدينة في اتجاهات مختلفة، كما أن بعض مسؤولي هذه الفنادق متهمون من قبل حركة أنصار الدين بالضلوع في عمليات فساد أخلاقي وترويج للمخدرات والخمور.

لا وجود اليوم لمؤسسات النظافة التي يفترض أن تعمل في مختلف الظروف حماية للسكان من التعرض للآثار البيئية والصحية للنفايات المتراكمة، ولا وجود عموما لجميع المؤسسات الحكومية والرسمية التابعة للدولة المالية.

وينطبق الأمر أيضا وبشكل واضح على المدارس والمؤسسات التعليمية الحديثة التي يقول المسؤول الإعلامي لحركة أنصار الدين سندا ولد بوعمامة إن حركته تعتقد بأنه يجب إعادة النظر في برامجها ومناهجها التعليمية ومقرراتها المدرسية قبل السماح لها بفتح أبوابها من جديد.

المخزون المتوفر من الأدوية قليل للغاية (الجزيرة)

الوضع الصحي
وتبقى الخدمات الصحية تحديا آخر أمام القائمين على الأمر حاليا في تلك المدينة، فمع خروج السلطات المالية من المدينة خرج معها أغلب الطاقم الصحي، مخلفين وراءهم عددا من المرضى وأصحاب العمليات الجراحية المحجوزين على أسرة المستشفى الوحيد بالمدينة، يواجهون موتا شبه محقق.

ولم يسلم المستشفى هو الآخر من عمليات النهب، حيث تم نهب بعض الأجهزة الطبية وأربع سيارات إسعاف رباعية الدفع تابعة له.

ويقول رئيس قسم المنظمة الطبية العالمية في تمبكتو عبد العزيز ولد محمد إن منظمته بادرت فور مغادرة الطاقم الصحي مطلع الشهر الحالي إلى استلام المستشفى خوفا على حياة المحتجزين فيه، وضمانا لتأمين الحد الأدنى من الرعاية الصحية لما تبقى من سكان المدينة وضواحيها.

ويضيف في حديث للجزيرة نت أنهم بدؤوا العمل بطبيب واحد وممرضين، قبل أن يصل العدد اليوم إلى أربعة أخصائيين (أطفال، نساء، جراح)، مشيرا إلى أنهم تمكنوا من ضمان استمرارية الحد الأدنى من العمل الطبي بشكل مجاني مع دفع أجور العاملين في المستشفى.

ورغم ذلك يعاني المستشفى حاليا من غياب الكثير من التخصصات ومن عدم وجود أي متخصص في مجال الأشعة والفحوصات، ونقص شديد في الأدوية.

وتمكنت الحركة الوطنية لتحرير أزواد من إعادة بعض الأجهزة الطبية المنهوبة إلى المستشفى، كما بادر عدد من أعضاء حركة أنصار الدين إلى التبرع بالدم لإنقاذ حياة بعض المحتجزين في المستشفى.

وتحاول حركة أنصار الدين تعويض جزء من النواقص، حيث فتحت مخازن الغذاء والحبوب في المدينة وسمحت بتوزيعه بشكل مجاني على الفقراء من السكان.

كما تقدم من حين إلى آخر بعض المساعدات العينية لبعض الأسر المحتاجة، فحين احترق منزل أسرة زنجية قبل يومين بادرت الحركة إلى تقديم مساعدات نقدية لهم مواساة لهم ووقوفا إلى جانبهم، بحسب ما قاله أحد عناصر الحركة الذي سلم المساعدة للأسرة.

ويقول بعض سكان المدينة إن الحفلات والأمسيات الغنائية والثقافية التي كانت تملأ سماء المدينة في ليالي الصيف الساخنة غابت هي الأخرى بشكل ربما نهائي، ولكن حركة أنصار الدين التي تسعى لرفع التحديات الصحية والغذائية يبدو أنها غير معنية في الوقت الحالي على الأقل بتعويض هذه النواقص.

المصدر : الجزيرة