رجل في حالة انهيار أمام منزله المدمر (الجزيرة نت)
 
الجزيرة نت-خاص
 
كان شراء شقة سكنية أو بناء بيت ولو في مناطق المخالفات حلما ليس بالسهل تحقيقه لغالبية السوريين، غير أن الدمار يأتي يوميا على المزيد من البيوت التي حصل عليها معظم أصحابها بعد شقاء كلفهم سنوات حياتهم، ليجدوا أنفسهم فجأة على قارعة الطريق وقد فقدوا كل شيء.

وقدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أعداد المباني المتضررة حتى سبتمبر/أيلول الماضي بأكثر من 2.3 مليون مبنى.

وفي دمشق أصبح مشهد عائلات تفترش الأرض في الحدائق العامة والأرصفة مألوفا، فعقب كل موجة نزوح جديدة يلجأ المزيد من الناس إلى المساجد والمدارس والمزارع وحتى المحلات.

محمد رجل ستيني دُمر بيته في القصف على ريف دمشق لم يجد مكانا يؤويه هو وزوجته سوى مستودع المؤسسة التي يعمل فيها حيث لا تستطيع الزوجة المكوث نهارا أثناء الدوام الأمر الذي يمكن أن يعرض الرجل للمساءلة فتضطر عند طلوع الضوء للجوء إلى بيت أحد المعارف ثم العودة مساء.

أما النيران التي أضرمها الأمن السوري بمنزل أم سعد فأتت على كل ما فيه حتى الثياب، وقالت "جميع أفراد عائلتي فقدوا مصادر رزقهم، أنا الوحيدة التي أحصل على راتب ضئيل كعاملة، وبالكاد يكفي لتسديد إيجار البيت الذي لجأنا إليه، لكني لا أستطيع شراء ثياب لأولادي تقيهم برد الشتاء".
 
حتى المناطق الهادئة نسبيا في دمشق وريفها أصبحت مكتظة بالنازحين، وغالبية البيوت تؤوي عدة عائلات معا ومنذ فترات متفاوتة، وعند الاقتراب أكثر من ظروف هؤلاء نجدهم يعيشون ظروفا صعبة يسودها التوتر، وهو ما ينعكس على حالتهم النفسية خاصة الذين مضت عليهم شهور على هذا الحال ولا يعرفون إلى متى يمكن أن يستمر هذا الوضع.

بعض من نزحوا عن بيوتهم لم يتبق لهم سوى انتظار الصور ومقاطع الفيديو التي ينشرها الناشطون على شبكة الإنترنت ليطلعوا على الحال الذي وصلت إليه الأماكن التي عاشوا فيها. وتقول أم عمر إنها شعرت وكأنها زارت بيتها عندما شاهدت صور نوافذه المخلوعة، في حين استقبلت جارتها صور بيتها المدمر بكثير من الدموع.

نازحون لجؤوا إلى الحدائق العامة في دمشق (الجزيرة نت)

معاناة
ثمة أشخاص فتحوا بيوتهم للنازحين دون مقابل، في حين طلب آخرون إيجارات مرتفعة وغير مسبوقة مستغلين ندرة البيوت الشاغرة.
 
هدى طفلة في الرابعة من عمرها لا تكف عن سؤال أمها عن موعد رجوعهم إلى البيت في حمص، وكثيرا ما تقول "إن هذه آخر ليلة سنقضيها هنا وسنعود صباحا إلى البيت"، لكن الكثير من الصباحات مرت ولا تزال هدى وأسرتها تعيش مع أقاربها في ريف دمشق معتمدين على المعونات القليلة التي تصلهم من المتبرعين.

في حين فضل آخرون البقاء في بيوتهم على ما تعرضت له من تخريب في مناطق عديدة من ريف دمشق، رغم خطورة العيش هناك والتهديد باشتعال القتال أو القصف في أي لحظة، إلا أن سوء أوضاعهم المادية أجبرهم على انتظار الموت في بيوتهم.

فالعديد من العائلات تعيش في قرى الغوطة رغم الدمار الذي حل بها وحاولوا حجب الريح بمشمعات بدلا من زجاج النوافذ التي خلعت، وقال أحد هؤلاء للجزيرة نت إنه قضى العقدين الماضيين من حياته في الكد من أجل بناء بيته، وهو كل ما يملكه ولا يوجد مكان آخر يقصده، لذا فضل الرجوع إلى قريته رغم انعدام الأمان.

من جهته قال الطبيب النفسي محمد الدندل للجزيرة نت إن الأشخاص الذين يفقدون بيوتهم يخسرون معها الشعور بالأمن والاستقرار ويصبحون عرضة للقلق الدائم والتوتر الشديد، وبالتالي تنحسر قدرتهم على مواجهة المشاكل اليومية في حياتهم المتسمة بالاضطراب بسبب ظروف التهجير، وقال "هذه الظروف الصعبة تجعل نفسية الضحية مضطربة ما يدفعه لمعالجة مشاكله بطريقة سيئة ما يعني تفاقمها، وهذا ما نقول عنه الدخول في حلقة معيبة".

المصدر : الجزيرة