أحد أسباب العنف هو تخويف الطرف الآخر وإرسال رسالة بأن بمقدوره حسم الصراع لمصلحته

أحمد السباعي-الجزيرة نت

"أكل القلوب" و"الذبح بالسكاكين" و"التمثيل بالجثث وتقطيعها وحرقها، والتعذيب حتى الموت، والإعدامات الميدانية"، عناوين آلاف المشاهد المصورة في سوريا، تطالع متصفحي مواقع التواصل الاجتماعي، وباتت في بعض الأحيان تُفرَض على المتلقي الذي يجدها من حيث لا يريد على صفحته في هذه المواقع.

ولكن ما الذي يدفع الشخص للقيام بهذه الانتهاكات وتصويرها وتحميلها ليشاهدها ملايين الأشخاص حول العالم؟ والأهم، لماذا يشاهدها المتلقي ويحرص على الاحتفاظ بها وإرسالها لأصدقائه؟ واللافت في كل ذلك، عدم تأثر الأجيال الحالية بالعنف المفرط، والدم الكثير والقتل وامتهان كرامة الميت، علما أننا أمة حُرم علينا قتل النفس إلا بالحق، وأصحاب مقولة "إكرام الميت دفنه".

أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة سعيد المصري يرى في العنف المفرط ظاهرة اجتماعية مرَضية لأسباب عدة، أولها أن تحميل المشاهد على مواقع التواصل الاجتماعي ليس بالضرورة عملا فرديا من أشخاص لديهم ميل نحو العنف، بقدر ما هو من صنع أشخاص متعاطفين مع القضية السورية، ويريدون إيصال هذه المشاهد للعالم ولفت نظره لما يحدث في هذا البلد، وأضاف أن هذا الجهد على الإنترنت منظم، وتقوم به جهات لا أفراد.

وأوضح أن تحميل مقاطع الفيديو من طرفي الصراع ليس بريئا سياسيا، وإنما هو جزء من المعركة. وطرح سعيد إمكانية أن يقوم شخص بتصوير هذا العنف المفرط وتحميله على الإنترنت بهدف تخويف الطرف الآخر، وإرسال رسالة تقول إن بمقدوره حسم الصراع لمصلحته.

بيئة صعبة
ولم يستبعد المصري أن يكون بعض الذين يمارسون العنف المفرط، ويحملونه على الشبكة العنكبوتية ويشاهدونه، ويحتفظون به لمشاهدته أكثر من مرة نشأوا في بيئة صعبة، فيها الكثير من العنف، الذي تحول بالنسبة لهم "حلا لمشاكلهم وأسلوبا لحياتهم".

video

وجزم بأن المجتمع السوري يعيش "حربا أهلية"، لأن الدولة غير قادرة على إدارة شؤون البلاد، وهناك عدة أحزاب وتيارات على الأرض تُفوض لنفسها استخدام القوة، لتحل محل الدولة التي يحق لها وحدها في الأوضاع الطبيعية تطبيق القواعد والنظم والقوانين، وعندما لا يعترف بعض التيارات بهذه الدولة بل ويحمل السلاح ضدها تكون "الحرب الأهلية".

من الناحية النفسية، لم يكن الوضع أفضل، حيث يقول محمد المهدي أستاذ علم النفس بجامعة الأزهر إنه رغم التطورات الكبيرة التي طرأت على المجتمع الإنساني، بدا في الآونة الأخيرة خروج "غريزة العنف" الموجودة أصلا في النفس البشرية "بشكل فج ومتوحش"، وأضاف أنه حتى المجتمعات التي كانت لا تستطيع رؤية المشاهد العنيفة باتت هذه المشاهد الآن "أمرا طبيعيا" بالنسبة لها، وهذا يرجع إلى "تقليل الحساسية تجاه مشاهد العنف، من خلال ألعاب الفيديو، والأفلام التي تحتوي على مشاهد الدم والقتل والدمار".

الثأر والانتقام
ويشرح المهدي أن المُمارس للعنف المفرط يكون موجودا في مناخ وظروف يخرج منها "العنف الغريزي" وهو أقصى درجات العنف البشري المنفلت من ضوابطه. ويتابع أنه إذا اختل التوازن في أي مجتمع بين الدوافع والضوابط -وهي على عدة مستويات "الضابط القانوني، والأمني، والأخلاقي، والديني، والاجتماعي"- يتحول الإنسان إلى أداة تحركها النزعة العنفية.

وأوضح أن "الحرب الدائرة في سوريا شكلت مناخا مواتيا لخروج العنف الغريزي المتوحش، لأن الناس يشاهدون بشكل متواصل أهلا وأصدقاء يُقتلون ويُعتدى عليهم ويُنكل بجثثهم ويُعذبون وتهدم بيوتهم فوق رؤوسهم". ويواصل أن العنف هنا يتحول لرغبة في الانتقام والثأر، ويكتسب طابعا أخلاقيا، لأنه يصبح نوعا من المقاومة والدفاع عن النفس والعرض والأرض.

وعن الانتهاكات المتبادلة لحقوق الإنسان حيا وميتا، يلفت المهدي إلى أن هناك قانونا في الفيزياء يؤكد أن "لكل فعل ردة فعل مساوية له في القوة مضادة له في الاتجاه" ويتابع أنه قد يضاف إلى ذلك أن يتجاوز الفعل رد الفعل ذاته لأن في النفس البشرية "تعقيدات تضخم رد الفعل".

عبد العزيز: هناك عاملان لعدم تأثر المتلقي بمشاهد العنف، أولهما عدم تأكده من صحة المشاهد والآخر تكرارها (الجزيرة)

الإعلام الجديد
وعن أسباب متابعة المتلقي لهذه المشاهد والاحتفاظ بها وإرسالها لغيره، يتحدث الخبير الإعلامي ياسر عبد العزيز عن أبحاث جرت في دول عديدة بينها أميركا، أثبتت أن تكرار عرض مشاهد العنف يؤدي لفقدانها التأثير على المتلقين. وتؤشر هذه الأبحاث أن مشاهد العنف التخيلية في بعض أفلام السينما أحد عوامل تفاقم ظواهر العنف وانخفاض مستوى التأثر بالممارسات العنيفة.

وأوضح أنه في الموضوع السوري هناك عاملان لعدم تأثر المتلقي بمشاهد العنف أولهما "عدم اليقين لديه بصحة هذه المشاهد المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والآخر تكرار عرض المشاهد على القنوات العربية والعالمية".

ونفى أن تكون وسائل الاتصال الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي وراء تفاقم ظاهرة العنف، أو تراجع تأثيرها لدى المتلقين، مستدلا على ذلك بأن أقصى وأبشع مشاهد العنف التي عرفتها البشرية كانت قبل اختراع هذه الوسائل وظهور المواقع، والتي عدّها عبد العزيز تفيد الثورة السورية بإلقاء الضوء على "انتهاكات طرفي الصراع"، وتسيء إليها حين تختلق الوقائع، وتشوه الحقائق، وتبث فيديوهات مزيفة.

وخلص الخبير الإعلامي إلى أنه يجب أن تكون هناك موازنة بين "أمرين مهمين"، أولهما "ضرورة إطلاع الجمهور على ما يجري في الواقع، حتى لو كان خطرا وقاسيا ويتحدى المزاج العام"، والآخر "المحافظة على درجة من المعايير والكرامة الإنسانية لدى عرض مشاهد العنف". ونوه إلى أنه كلما استطاعت وسيلة التواصل الاجتماعي الاقتراب من هذين العاملين كانت أقرب للمعايير الرشيدة في الاتصال الإعلامي، وكلما ابتعدت ساهمت في الإساءة للقضية وللجمهور.

المصدر : الجزيرة