أجملت مذكرة سربها موقع ويكيليكس وحملت عنوان "الاتجاهات الأيدولوجية والملكية في الصحافة السعودية"، أرسلتها السفارة الأميركية في المملكة العربية السعودية، دور وسائل الإعلام العربية في تحقيق مآرب الدعاية الأميركية، وأظهرت حجم الاهتمام الذي توليه البعثات الأجنبية للصحافة العربية ومتابعة الشأن الثقافي في أدق تفاصيله.
 
وتسرد برقية صنفت تحت خانة "سري" وأرخت في 11 مايو/أيار 2009 مجريات لقاءات بين دبلوماسيين ومسؤولين إعلاميين في السفارة الأميركية من جهة، ومسؤولي تحرير ومديري قنوات تلفزيونية من جهة أخرى، لمناقشة التوجهات الأيدولوجية وإجراءات وزارة الداخلية السعودية ضد الصحفيين الذين لا يلتزمون بالتوجهات الجديدة التي اعتمدها الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز.
 
وتحدث في اللقاءات أشخاص -حذفت أسماؤهم وبقيت صفاتهم- عن أهمية الدور الذي تلعبه البرامج والمسلسلات الأميركية المدبلجة التي تبث على قنوات "أم بي سي" في تغيير توجهات وثقافة المجتمع السعودي، بطريقة عجزت عنها الدعاية المباشرة التي تنتهجها قناة الحرة وماكينات الدعاية الأميركية.
 
وبحسب أحد المتحدثين السعوديين، فإن البرامج الأميركية التي تبث على قنوات "أم بي سي" هي الأكثر شعبية بين السعوديين، وفي نظرة على الدورة البرامجية لشهر ديسمبر/كانون الأول تتبين المساحة التي تحتلها هذه البرامج على مدار اليوم.
 
وأشار إلى مدى تأثير مسلسلات مثل "ربات بيوت يائسات" (Desperate Housewives) وبرنامج ديفد ليترمان وأصدقاء (Friends) التي تبث -مع ترجمة عربية أسفل الشاشة- على الشعب السعودي، فلم تعد ترى في أنحاء المملكة بدوا ولكن أطفالا باللباس الغربي.
 
وقال إن الحكومة السعودية تدعم هذا الاتجاه في مسعى لمواجهة المتطرفين، مؤكدا أن ساحة حرب الأفكار لا تزال محتدمة.
 
وقد سجلت البرامج الأميركية -في قنوات "أم بي سي" و"روتانا"- تفوقا في اجتذاب المواطن السعودي العادي لم تستطع تحقيقه قناة الحرة وكل وسائل الدعاية الأميركية.
 
وأكد أن هذا التأثير جارف بحيث يتمنى كل فرد الدراسة في الولايات المتحدة الأميركية، وقد بهروا بالثقافة الأميركية بطريقة لم تحدث من قبل بالمطلق.
 
وبسبب تأثير هذه البرامج القوي فإن هناك اعتقادا سائدا بأن الحكومة الأميركية وراءها، ويعتقد البعض أنه لا بد من أن تكون هناك أيدولوجيا وراء هذه البرامج بسبب علاقة الأمير الوليد بن طلال بنيوز كورب التابعة لروبرت مردوخ وشقيقتها قناة فوكس.
 

"
مسلسلات مثل "ربات بيوت يائسات"
(Desperate Housewives) وبرنامج ديفد ليترمان وأصدقاء (Friends) -التي تبث مع ترجمة عربية أسفل الشاشة- أمضى في الدعاية لأميركا من قناة الحرة وغيرها من وسائل الدعاية الأميركية
"

الصحافة السعودية

وفي السياق الأيدولوجي نفسه تقع مجموعة "أم بي سي" المملوكة لوليد بين إبراهيم الإبراهيم نسيب الملك الراحل فهد بن عبد العزيز، لكنه وفقا لأحد من قابلتهم السفارة من الإعلاميين فإن 50% من الأرباح تكون من نصيب عبد العزيز الابن الأصغر للملك فهد.
 
وفي جواب لأحد المتحدثين على سؤال لدبلوماسي أميركي عن قناة العربية ومجموعة "أم بي سي"، وما إن كان الأمير الثلاثيني مهتما بالربح فقط أم بالاتجاه الأيدولوجي للقنوات؟، أجاب ضاحكا "بالاثنين".
 
وأضاف أن الحكومة السعودية قلقلة من تعرض الشباب السعودي للتوجهات المتطرفة، ولذا فإن قناة العربية تركز في بثها على الفئة العمرية من 14 إلى 18 سنة، ويؤازرها الموقع الإلكتروني للقناة الذي يجتذب نحو مائة ألف زائر.

وأكد المتحدث أن المسؤولين في "أم بي سي" والعربية يأملون ببرامجهم أن يواجهوا تأثير قناة الجزيرة، ويعززوا "الاعتدال" بين شباب المملكة.

ووصفت البرقية المتحدث السعودي بأنه يمثل اتجاها يقوى في الصحافة السعودية، ويتولى مهام تحريرية، وهو الجيل المساند للولايات المتحدة من الذين أكملوا تعليمهم فيها، وحصلوا على درجات جامعية في الصحافة.
 
واستنادا إلى أقواله فإن المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق بكاملها قد وجهت لتبني مقاربة محترفة تعتمد النمط الغربي لتعزيز الأفكار الحداثية التي يتمنى القائمون على المجموعة أن تكون رافدا لمواجهة "الأيدولوجيا المتطرفة".
 
كما تطرق اللقاء إلى أسلوب الدعوة الجديد الذي تنتهجه قناة "أي آر تي"، إذ يتولى في أحد برامجها مسؤولية الإرشاد الديني شاب سعودي حليق في ثياب أوروبية، يتحدث بهدوء ويقدم نصائحه بطريقة ودودة.

واعتمادا على تقرير شركة مالية فإن الأمير وليد بن طلال يمتلك أكثر من 35% في المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق، بالإضافة إلى "مستثمرين آخرين منهم محمد حسين علي العمودي الذي يمتلك 57.70% من المجموعة، لكن من تحدثت لهم السفارة قالوا إن المجموعة مملوكة للأمير سلمان بن عبد العزيز مع أنه ليس حامل أسهم، ويتحكم في اتجاهاتها عبر ابنه فيصل.
 
في المقابل أكد المتحدث السعودي أن الأمير خالد بن سلطان نائب وزير الدفاع لا يتدخل في سياسة جريدة الحياة التي يملكها، معتبرا أنها مصدر قوة له، وأضاف أن صحيفة الحياة تتمتع في العالم العربي بمصداقية أعلى من جريدة الشرق الأوسط وتوصف بالجرأة كذلك، مع أنها لا تنتقد العائلة الحاكمة أبدا.

وتضيف البرقية أن معظم وسائل الإعلام في المملكة العربية السعودية –المطبوعة والإلكترونية- مملوكة لأمراء، ويوفر نظام الحكم في المملكة وسيلة للتعامل مع وسائط الإعلام المطبوعة لتعزيز جدول أعماله دون ممارسة الرقابة اليومية، والصحفيون أحرار في كتابة ما يرغبون فيه شريطة عدم انتقاد العائلة الحاكمة أو فضح الفساد الحكومي.
 
"
بوجود مبادرات أخرى كحوار الأديان وخطط إصلاح التعليم، يبدو أن الحكومة السعودية قد اتخذت قرارا إستراتيجياً بفتح البلاد للأفكار القادمة من الخارج لاجتثاث بقايا "الأيدولوجيا المتطرفة" والرؤية التي تهدد الحكم
"
الصحفيون والأمن

وأشار المتحدث السعودي إلى أن التحرك نحو الاعتدال والتقارب الخارجي يلقى مقاومة من المحافظين، فهم يسمون صحيفة الوطن -التي يمتلكها الأمير خالد الفيصل- الوثن، ويطلقون على جريدة الشرق الأوسط "خضراء الدمن" نسبة للونها.
 
واتفق المتحدثون على أنه على الرغم من أن "العناصر المتطرفة" أبعدت على نحو كبير من وسائل الإعلام والتلفاز وقلصت قوتها ونفوذها، فإنها لا تزال تشكل قوة في السعودية.
 
وعندما أمن الدبلوماسي الأميركي على مقولات محدثه السعودي بأن الأمر تغير فعلا، فهو لم يكن ليحلم قبل سنتين بالجلوس في مكان مزدحم خارج ستاربكس وعلى بعد مبنيين من القنصلية في جدة، قال له محدثه إنه لا يزال عليه توخي الحذر "فالمتطرفون ما زالوا هناك".
 
ومع أن منصب رئيس التحرير في السعودية لابد للتعيين فيه من موافقة وزير الإعلام، فإن من مهام وزارة الداخلية اتخاذ إجراءات ضد مسؤولي التحرير الذين لا يلتزمون بسياسة وتوجيهات الحكومة.
 
وبدلا من سياسة الطرد التي كانت في السابق، قررت الوزارة تغريم رؤساء التحرير مبلغا قدره أربعين ألف ريال تقتطع من رواتبهم على كل مادة مخالفة تظهر في صحفهم.
 
وعلى الرغم من أن وزارة الإعلام تتابع ما ينشر، فإن وزارة الداخلية أقامت في كل مدينة لجنة تعرف مجتمعها جيدا تتابع بدقة شديدة كل ما يكتب أو يقال، ويتسقطون أخبار الصحفيين، فإذا ما نما إلى علمهم أن صحفيا يُجري تحقيقا ما أو بصدد كتابة ما، دعوه وباحثوه واستقصوا عن أسرته وما إلى ذلك.
 
وختمت البرقية بأنه بوجود مبادرات أخرى كحوار الأديان وخطط إصلاح التعليم، يبدو أن الحكومة السعودية قد اتخذت قرارا إستراتيجياً بفتح البلاد للأفكار القادمة من الخارج، لاجتثاث بقايا "الإيدولوجيا المتطرفة" والرؤية التي تهدد الحكم، ويبدو جليا كذلك أنها قد صقلت وطورت أساليب السيطرة على الصحفيين والمحررين للسيطرة على انتشار الأفكار التي تشجع على الانشقاق.
 
يشار إلى أن البرقية تطرقت لأكثر من لقاء جمع دبلوماسيين أميركيين في السفارة الأميركية بالرياض والقنصلية الأميركية في جدة مع إعلاميين سعوديين في أوقات وأماكن عديدة.

المصدر : غارديان