إسرائيل حرمت ليلى جبارين من خدمات الرفاه الاجتماعي منذ اعتناقها الإسلام وزواجها فلسطينيا (الجزيرة نت)

محمد محسن وتد-أم الفحم

دفعت الصدفة ليلى جبارين (70 عاما) التي تسكن مدينة أم الفحم بالداخل الفلسطيني للبوح بالسر الذي احتفظت به لنفسها مع زوجها أحمد جبارين مدة 52 عاما، إذ إنها ناجية من المحرقة النازية وكانت قد اعتنقت الإسلام واستقرت بالمدينة بعد 12 عاما من قدومها إلى فلسطين.

وتزامن ذلك مع الذكرى الـ70 للمحرقة، حين التقت بعاملة اجتماعية ببيت المسنين في أم الفحم لمراجعة مستحقاتها من خدمات رفاه اجتماعي بوصفها مسنة، وخلال إتمام المعاملة كشفت النقاب عن أنها ناجية من المحرقة، عندها سألتها العاملة الاجتماعية عن سبب عدم حصولها على المخصصات التي تدفعها ألمانيا للناجين اليهود، فأجابت بأن إسرائيل حرمتها من التعويضات منذ اعتنقت الإسلام وتزوجت فلسطينيا.

ولدت ليلى عام 1942 بمعسكر أوشفيتس ببولندا وهي يهودية الأصل واسمها الحقيقي هيلين بيرشيسكي، حيث أخفاها طبيب مسيحي عمل في المعسكر وعائلتها بقبو تحت الأرض في منزله لمدة ثلاثة أعوام، لتخرج للنور بعد تحرر أوشفيتس وسقوط ألمانيا عام 1945.

قبو ومعسكر
وعادت الطفلة هيلين مع والديها وإخوانها الأربعة إلى موطن عائلتها الأصلي يوغسلافيا، إذ لقي جميع أفراد عائلتها الكبيرة حتفهم بالمحرقة، كما سردت لها والدتها، فهي لم تشاهد ما حصل في المعسكر كونها احتمت بباطن الأرض.

لكن فور خروجها من القبو ترسخ بمخيلتها مشهد المخيم وحشود الناجين باللباس الأبيض والأسود يتدافعون للخروج واقتحام الأسلاك الشائكة.

ليلى جبارين مع أحد أولادها (يمين) وبعض أحفادها (الجزيرة نت)

مكثت هيلين وعائلتها بيوغسلافيا حتى عام 1948، وفي تلك الفترة وكغيرها من اليهود وتحديدا الناجين من المحرقة -كما روت جبارين للجزيرة نت- تم استقدامهم إلى بلاد العسل واللبن للعيش بأمن وأمان في "دولة اليهود"، وبهذه الشعارات والحوافز عمل وكلاء الحركة الصهيونية على إقناع العائلات اليهودية لترك منازلها.

تناقضات وصراعات
وصلت كغيرها على متن سفن "همعبيليم" التي وظفتها الحركة الصهيونية في أكبر قطار بحري للاستيطان بأرض فلسطين، فبينما كانت عصابات الهجانا اليهودية تساندها قوات الاستعمار البريطاني تبيد الفلسطينيين، رست السفينة التي كانت على متنها هيلين وعائلتها مع آلاف اليهود قبالة شواطئ حيفا.

تقول هيلين التي كانت قد بلغت السادسة من عمرها، "لم نكن نعرف ما هي وجهتنا الحقيقية، أو أننا سنصل إلى فلسطين، قالوا لنا سنصل بكم إلى وطن اليهود، مكثنا بالسفينة الراسية في المياه نحو أسبوع بذريعة أن الجيش البريطاني سينجز بعض المهام لإقامة دولة اليهود، بعد ذلك تم تركيزنا في معسكرات بمنطقة عتليت قرب حيفا".

ومع مرور السنوات وبعد بلوغها سن البلوغ أخذت هيلين تعي حقيقة ما حصل ومكان وجودها -حيث يعيش العرب- وماذا تعني فلسطين وشعبها، وتساءلت "ما هذا.. وطن لليهود ونحن نعيش على أنقاض شعب آخر؟ عشت تناقضات وصراعات داخلية، فهذه الأرض سلبت من أهلها بعد تشريدهم" وفق قولها.

ليلى مع زوجها أحمد جبارين (الجزيرة نت)

حب وزواج
حملتها هذه التناقضات والمعاناة وآلام وماسي ذكرياتها من أوشفيتس وكان عمرها 18 عاما للتعرف عام 1960 على الشاب أحمد الذي كان يعمل بورشة بناء قرب مسكنها ببلدة رمات غان، حين طلب منها شربة ماء، لتكون بداية قصة حب تكللت بزواجهما، ولتنتقل للسكن معه بأم الفحم رغم مقاطعة عائلتها اليهودية لها مدة عامين لتقبل بعد ذلك بالأمر الواقع، وأنجبت سبعة أبناء وهي حاليا جدة لـ33 حفيدا.

تنازلت ليلى عن الرفاهية لدى عائلتها اليهودية التي قالت لها إن "هتلر والعرب وجهان لعملة واحدة"، لكنها تقول "لمست الدفء والاحتضان من المجتمع العربي الفلسطيني، لم أشعر بتاتا بالغربة، فغالبية عمري قضيته بين العرب والمسلمين، عشت في بيت متواضع مع زوجي، اعتنقت الإسلام لكي لا يجبر أبنائي على الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي، ربيتهم وزوجتهم جميعا".

وبين الحلم والأمل وبسمة الحياة التي ترافقها، تأتي ذكرى المحرقة لتتفجر مشاعرها ثانية، تبكي وتستذكر ذاك المشهد بمعسكر أوشفيتس الذي تمتنع عن زيارته حتى الآن، ليتساءل أولادها: ما الخطب؟ كانت تجيبهم بالدموع دون الإفصاح عن سرها وحسرتها ومعاناتها الشخصية ليكون ردها "أكره الحروب وأتألم لمجرد سقوط ضحايا وسفك الدماء".

المصدر : الجزيرة