|
||||||||||||
|
سافرنا مع قارئنا الكريم في المقال السابق برحلة عبر الكون الخارجي الفسيح، ووعدنا أن نلتقي به مرة أخرى في رحلة عبر الكون الدقيق، كون الذرات، وها نحن نفي بوعدنا. ثم تساءل العلماء عن السبب الذي يجعل البروتونات الموجبة تتماسك في نواة الذرة، مع أنها ينبغي أن تتنافر حسب قوانين الفيزياء لأنها من شحنة متماثلة، وبقي الأمر لغزا إلى أن فسر عالم ياباني اسمه "يوكاوا" هذا الأمر بنظرية، تم إثباتها مخبريا فيما بعد، فنال عليها جائزة نوبل.
جسيمات الذرة ولكي ندرك حجم الذرة، التي تزدحم بهذه الجسيمات والأجزاء التي تختلف في أحجامها وكتلها وشحناتها، يكفي أن نعرف أنه لو قمنا بصف مليون ذرة في طابور مستقيم، لكان طول الطابور ميلمترا واحدا. أمر عجيب؟ مهلا، ما زلنا في البداية، فإن الأعجب منه أن هذا الحجم كله معظمه فراغ، ذلك أن حجم النواة لا يساوي أكثر من جزء من مائة ألف جزء من حجم الذرة، أي بعد أن نقسم المليمتر إلى مليون جزء، نقسم الناتج إلى مائة ألف جزء، لنحصل على حجم النواة!! وباقي حجم الذرة يشغله الفراغ الموجود بين الإلكترونات والنواة، وحتى ندرك الفراغ، لنتخيل أننا كبرنا النواة لتصبح في حجم كرة التنس فإن بعد الإلكترونات عنها سيكون أكثر من ألفين وثلاثمائة متر!! فإذا كانت النواة بهذا الحجم الصغير الذي لا يكاد يتصوره العقل، فما بالكم بحجم الجسيمات التي تكونها؟ لا أعني البروتونات والنيوترونات فقط، بل الجسيمات التي تسمى ما دون الذرية، والتي يتكون منها البروتونات والنيترونات، وأحدها جسيم البايون المذكور آنفًا. ثم تساءل العلماء: لماذا تتميز مكونات الذرة بكتل مختلفة؟ مع أن بعضها له أحجام متساوية؟ بقي هذا السؤال لغزا كبيرا، حتى عام 1964، أي منذ نحو خمسين سنة، حين وضع عالم اسمه بيتر هيغز نظرية للإجابة عن هذا السؤال، ولم تثبت نظريته إلا في هذا العام 2012 بعد أن أنشأ العلماء أكبر مختبر في التاريخ، استغرق إنشاؤه أكثر من عشر سنوات، وكلف أكثر من عشرة مليارات دولار، وكان أن اكتشفوا جسيما جديدا من مكونات الذرة ظلوا يبحثون عنه عشرات السنين، فحل لهم لغزًا قديما، وفتح لهم ألغازا جديدة. ما هي هذه النظرية؟ وما هي قصة هذا المختبر الهائل؟ وما هي علاقة أسرار الذرة بأسرار الكون؟ هذا ما سنجيب عنه قراءنا الكرام إن شاء الله في الجزء الثالث من هذه السلسلة، فانتظرونا.
المصدر:الجزيرة
شروط الخدمة
|
||||||||||||





