سافرنا مع قارئنا الكريم في المقال السابق برحلة عبر الكون الخارجي الفسيح، ووعدنا أن نلتقي به مرة أخرى في رحلة عبر الكون الدقيق، كون الذرات، وها نحن نفي بوعدنا.

عندما نقول كون الذرات، فنحن نعني ما نقول، فكما أن المسافات والأحجام التي تواجهنا في الكون الفلكي شاسعة في الكبر، بحيث قد يصعب على العقل تصورها، وكلما توسعنا في السفر فيه وجدنا ما هو أبعد وأكبر، فكذلك الذرة كلما غصنا في عالمها واكتشفنا أحد أجزائها الصغيرة، فتح لنا بابا إلى ما هو أصغر وأغرب،  حتى وصل العلماء إلى ما يصعب تصوره بالعقل البشري، ولا يزال البحث مستمرا وسيبقى.

إن اسم الذرة بالإنجليزية "Atom" مشتق من اللغة الإغريقية، ومعناه "الذي لا ينقسم"، حيث كان الاعتقاد السائد في الماضي أن الذرة أصغر جزء قابل للانقسام في المادة، وقد بقي هذا الاعتقاد سائدا حتى أواخر القرن التاسع عشر، عندما اكتشف العلماء أن الذرة ليست مصمتة، وأنها تتألف من نواة في مركزها تدور حولها أجسام أخرى في مدارات تشبه إلى حد بعيد مدارات الكواكب حول الشمس، سموها "إلكترونات"، وأن لها شحنة كهربائية سالبة، واكتشفوا أن النواة فيها نوعين من الجسيمات: نوع شحنته موجبة، سموه بروتونات، وهو ما يعلل انجذاب الإلكترونات السالبة إلى النواة ودورانها حولها، والنوع الآخر من جسيمات النواة لا شحنة له، سموه نيترونات.

ثم تساءل العلماء عن السبب الذي يجعل البروتونات الموجبة تتماسك في نواة الذرة، مع أنها ينبغي أن تتنافر حسب قوانين الفيزياء لأنها من شحنة متماثلة، وبقي الأمر لغزا إلى أن فسر عالم ياباني اسمه "يوكاوا" هذا الأمر بنظرية، تم إثباتها مخبريا فيما بعد، فنال عليها جائزة نوبل.

وخلاصة نظرية "يوكاوا" أن شحنة البروتونات والنيترونات تتغير باستمرار، إذ يقوم كل بروتون بإطلاق جسيم أطلقوا عليه اسم "بايون" على النيوترون المجاور، فيفقد شحنته الموجبة ويتحول إلى نيوترون، بينما يكتسب النيوترون شحنة موجبة ويتحول إلى بروتون، ثم تعاد العملية بشكل معاكس، فيتبادلان الشحنات مرة أخرى، وهذه العملية مستمرة لا تتوقف، وتتم بسرعة هائلة، في جزء من مليارات من الثانية، وتؤدي إلى أن تبقى النواة متماسكة رغم تنافر شحناتها.

لكي ندرك حجم الذرة، التي تزدحم بهذه الجسيمات والأجزاء التي تختلف في أحجامها وكتلها وشحناتها، يكفي أن نعرف أنه لو قمنا بصف مليون ذرة في طابور مستقيم، لكان طول الطابور ميلمترا واحدا

جسيمات الذرة
ثم تتالت الاكتشافات بعد ذلك، وراح العلماء يكتشفون كل يوم جسيمات جديدة، وإذا بنواة الذرة عالم كبير، رغم صغره الشديد. اكتشفوا فيه حتى الآن ما يقارب 200 جسيم، واكتشفوا في الذرة الدقيقة من العجائب ما لا يقل عن اكتشافاتهم في الكون الفسيح، بل وجدوا أن اكتشاف أسرار الذرة هو الطريق إلى اكتشاف الكثير من أسرار الكون.

ولكي ندرك حجم الذرة، التي تزدحم بهذه الجسيمات والأجزاء التي تختلف في أحجامها وكتلها وشحناتها، يكفي أن نعرف أنه لو قمنا بصف مليون ذرة في طابور مستقيم، لكان طول الطابور  ميلمترا واحدا. أمر عجيب؟  مهلا، ما زلنا في البداية، فإن الأعجب منه أن هذا الحجم كله معظمه فراغ، ذلك أن حجم النواة لا يساوي أكثر من جزء من مائة ألف جزء من حجم الذرة، أي بعد أن نقسم المليمتر إلى مليون جزء، نقسم الناتج إلى مائة ألف جزء، لنحصل على حجم النواة!! وباقي حجم الذرة يشغله الفراغ الموجود بين الإلكترونات والنواة، وحتى ندرك الفراغ، لنتخيل أننا كبرنا النواة لتصبح في حجم كرة التنس فإن بعد الإلكترونات عنها سيكون أكثر من ألفين وثلاثمائة متر!!

فإذا كانت النواة بهذا الحجم الصغير الذي لا يكاد يتصوره العقل، فما بالكم بحجم الجسيمات التي تكونها؟ لا أعني  البروتونات والنيوترونات فقط، بل الجسيمات التي تسمى ما دون الذرية، والتي يتكون منها البروتونات والنيترونات، وأحدها جسيم البايون المذكور آنفًا. 

ثم تساءل العلماء: لماذا تتميز مكونات الذرة بكتل مختلفة؟ مع أن بعضها له أحجام متساوية؟ بقي هذا السؤال لغزا كبيرا، حتى عام 1964، أي منذ نحو خمسين سنة، حين وضع عالم اسمه بيتر هيغز نظرية للإجابة عن هذا السؤال، ولم تثبت نظريته إلا في هذا العام 2012 بعد أن أنشأ العلماء أكبر مختبر في التاريخ، استغرق إنشاؤه أكثر من عشر سنوات، وكلف أكثر من عشرة مليارات دولار، وكان أن اكتشفوا جسيما جديدا من مكونات الذرة ظلوا يبحثون عنه عشرات السنين، فحل لهم لغزًا قديما، وفتح لهم ألغازا جديدة.

ما هي هذه النظرية؟ وما هي قصة هذا المختبر الهائل؟ وما هي علاقة أسرار الذرة بأسرار الكون؟  هذا ما سنجيب عنه قراءنا الكرام إن شاء الله في الجزء الثالث من هذه السلسلة، فانتظرونا.

________________
* كاتب وباحث ومترجم سوري في تقنية المعلومات

المصدر : الجزيرة