الوجود العسكري في باب التبانة أصبح اعتياديا لدى أهالي الحي بفعل الاشتباكات المتكررة (الجزيرة)

عبد العظيم محمد الشيخ

وكأن لبنان لا تكفيه رزاياه. إذ لم يكد هذا البلد العربي ينعم بقدر من سكينة وسلام لطالما تاق إليه أهله حتى اندلقت عليه من الجارة سوريا أزمة أخرى كادت أن تدفع به في حمأة حرب أهلية جديدة.

في 12 مايو/أيار 2012 وقعت اشتباكات مسلحة بين الجيش اللبناني ومتظاهرين ينتمون إلى التيار الإسلامي المؤيد للثورة في سوريا، عندما حاولوا الاقتراب من مقر تابع للحزب السوري القومي الاجتماعي، وهو حزب لبناني يناصر النظام السوري.

وكان مسرح الأحداث في منطقتي جبل محسن ذات الأغلبية العلوية وباب التبانة السنية بمدينة طرابلس كبرى مدن الشمال اللبناني.

وكان مائة من الإسلاميين قد نصبوا أمس خياما عند المدخل الجنوبي للمدينة، وحملوا رايات سودا عليها عبارة "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، إضافة إلى علم الاستقلال السوري الذي يرفعه معارضو النظام السوري.

ولم تكن هذه الأحداث هي الأولى من نوعها في طرابلس، فقد باتت المدينة معقلا لمعارضي نظام حزب البعث الحاكم في سوريا والمناوئين لحزب الله اللبناني منذ انسحاب القوات السورية من لبنان عام 2005.

وقد ظلت أطراف هذه المدينة التي ترزح تحت الفقر وإهمال الدولة تشهد اشتباكات عنيفة ومتكررة بين مسلحين من الطائفة السنية التي تقطن في باب التبانة، وعلويين يسكنون حي جبل محسن.

ولقد ظلت الخصومة بين هاتين الطائفتين قائمة منذ الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، وكانت المواجهات بينهما تندلع لأسباب تتعلق بالانتماءات الطائفية حينا وبمعارضة أو تأييد الحكومة السورية التي يقودها العلويون.

ظلت الخصومة بين الطائفتين العلوية والسنية في مدينة طرابلس قائمة منذ الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، وكانت المواجهات بينهما تندلع لأسباب تتعلق بالانتماءات الطائفية حينا وبمعارضة أو تأييد الحكومة السورية التي يقودها العلويون

وفي التاريخ الحديث عانت الطائفة العلوية في الشام من اضطهاد الإمبراطورية العثمانية السنية لهم، لكنهم نالوا حظا من السلطة والنفوذ عندما جندت سلطات الاحتلال الفرنسي علويين في صفوف الجيش الذي تشكل إبان الانتداب الفرنسي على سوريا.

وعاش عشرات الآلاف من العلويين في ضاحية جبل محسن بطرابلس والقرى المجاورة لبلدة عكار في شمال لبنان، وتربطهم وشائج قوية مع علويي سوريا، الذين تنتمي إليهم عائلة الأسد الحاكمة.

ويفصل شارع سوريا بين جبل محسن في أعلى الرابية وباب التبانة في سفحها. ويعاني معظم السكان هناك من البطالة، مما يجعل منهم هدفا سهلا لتحريضهم على القتال عند اندلاع اشتباكات بين الطائفتين.

تاريخ الاشتباكات
بدأت الاشتباكات بين العلويين والسنة في ضاحيتي جبل محسن وباب التبانة بطرابلس إبان الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) بسبب خلافات طائفية وسياسية.

فقد تحالف وقتها الحزب العربي الديمقراطي المحسوب على الطائفة العلوية مع سوريا، وانخرط إلى جانب الجيش السوري في قتاله ضد حركة التوحيد الإسلامي السنية التي كانت تتمركز في باب التبانة.

وكان التمازج بين الطائفتين الجارتين هو السمة السائدة قبل اندلاع الحرب.

وفي أغسطس/آب 1984، نشبت معارك عنيفة بين حركة التوحيد المدعومة من لجنة المساجد واللجنة الإسلامية من جهة والحزب العربي الديمقراطي من جهة أخرى.

وتعزز موقف الحركة عندما أحكمت السيطرة على منطقة الميناء يوم 22 أغسطس/آب من العام نفسه، بعد قتال شرس في شوارع طرابلس سقط خلاله أكثر من أربعمائة قتيل.

واستمر قتال الشوارع حتى 18 سبتمبر/أيلول قبل أن تضع اتفاقية سلام بوساطة سورية حدا له.

وبحلول عام 1985 سيطرت على طرابلس حركة التوحيد، فيما انكفأ الحزب العربي الديمقراطي في منطقة جبل محسن.

ثم أخذت الأمور منحى آخر بعد إقدام السوريين على اعتقال قائد حركة التوحيد العسكري سمير حسن في طرابلس في 18 ديسمبر/كانون الأول 1986.

ورد رجال القائد العسكري بقتل 15 جنديا سوريا عند إحدى نقاط التفتيش، فجلب ذلك عليهم غضب السوريين فأنزلوا عقابهم بحركة التوحيد حتى تمكنوا من إلحاق هزيمة ماحقة بها بعد أن قضوا على العديد من مقاتليها، وأسروا البعض، وتفرق الآخرون أيدي سبأ.

نزاع 2008
إبان النزاع اللبناني في 2008 اشتبكت الطائفة السنية المؤيدة للحكومة مع العلويين المناهضين لها.

وأعاد الحزب العربي الديمقراطي تسليح نفسه خلال تلك الفترة بعد أن نما إلى علمه أن جماعة إسلامية تطلق على نفسها فتح الإسلام تنوي مهاجمة العلويين في طرابلس.

في التاريخ الحديث عانت الطائفة العلوية في الشام من اضطهاد الإمبراطورية العثمانية السنية لهم، لكنهم نالوا حظا من السلطة والنفوذ عندما جندت سلطات الاحتلال الفرنسي علويين في صفوف الجيش الذي تشكل إبان الانتداب الفرنسي على سوريا

وفي ليلتي 10 و11 مايو/أيار اندلع قتال بين أتباع حزب الله ومناصرين للحكومة من الطائفة السنية في طرابلس، وهو القتال الذي أودى بحياة امرأة واحدة.

وفي 11 مايو/أيار اشتبك الموالون للحكومة والمعارضين لها من الطائفة العلوية في منطقة جبل محسن، واستُخدمت في القتال البنادق الرشاشة والقذائف الصاروخية.

وفي 22 و23 يونيو/حزيران من العام نفسه لقي تسعة أشخاص على الأقل مصرعهم وجُرح 55 آخرون في طرابلس في اشتباكات بين سنة باب التبانة وعلويي جبل محسن.

وفي الفترة ما بين 25 يوليو/تموز و29 سبتمبر/أيلول قُتل 23 شخصا في اشتباكات مشابهة. وتوصل قادة الطرفين بعد ذلك إلى اتفاق مصالحة وضع حدا للاقتتال بين الطائفتين وللتوتر الذي خيم على مدينة طرابلس منذ الحرب الأهلية.

غير أن منطقة جبل محسن تعرضت في أكتوبر/تشرين الأول لهجوم بالقذائف من عناصر لم تُعرف هويتها.

اشتباكات 2011 و2012
وقُتل سبعة أشخاص وجُرح 59 آخرون في طرابلس يوم الجمعة 17 يونيو/حزيران 2011، بعد اشتباكات مسلحة نشبت عقب تظاهرة حاشدة في باب التبانة دعما للثورة الشعبية في سوريا.

وفي 10 و11 فبراير/شباط 2012، راح شخصان أو ثلاثة ضحايا قتال بين ضاحيتي جبل محسن وباب التبانة. وتدخل الجيش اللبناني الذي سقط منه ستة جنود جرحى، فانتاب الناس الخوف من احتمال أن يمتد الصراع الدائر في سوريا إلى لبنان.

واندلع قتال آخر بين الطرفين يومي 12-13 مايو/أيار 2012 في طرابلس استخدمت فيه القذائف الصاروخية والبنادق الآلية.

وقبلها بساعات تبادل الجيش اللبناني إطلاق النار في وقت متأخر من يوم السبت 12 مايو/أيار مع مجموعة من الإسلاميين الشبان في طرابلس تطالب بالإفراج عن زميل لهم متهم بالإرهاب.

وأسفر القتال عن مقتل ثلاثة من المدنيين السنة وضابط بالجيش.

وانتشر الجيش بالمنطقة يوم 15 مايو/أيار واشتبك في معارك مع السكان خلفت وراءها ثمانية جرحى. وفي اليوم التالي أسفرت المعارك عن مصرع 11 شخصا.

وفي يوم 17 من الشهر ذاته قُتل شخص واحد على الأقل، وبحلول يوم 18 مايو/أيار كان إجمالي عدد القتلى في الاشتباكات 12 شخصا وما يزيد على مائة جريح.

وفي 21 من الشهر ذاته تبادل طرفا الصراع في الضاحيتين القصف بقذائف آر بي جي الصاروخية دون ورود تقارير بسقوط جرحى.

المصدر : مواقع إلكترونية