صورة نشرها ناشطون على فيسبوك تظهر اللحظات الأخيرة للعوام حيث لم تنجح محاولات إسعافه (الجزيرة)
 
عدسة أخرى كانت تنقل ما يحدث في سوريا إلى العالم أغلقها الموت أمس، ودون أن تنجح محاولات الأطباء في جعله يفتح عينيه من جديد قضى المخرج السوري تامر العوام (35 عاما) في مدينة حلب إثر تعرضه لإصابة من القوات التابعة للأسد.

ونشر الناشطون مقطع فيديو على شبكة الإنترنت يظهر اللحظات الأخيرة له والمحاولات الطبية لإسعافه وصعقه بالكهرباء التي باءت بالفشل ليسدلوا الغطاء على وجهه.

قصد تامر مدينة حلب مؤخرا لتوثيق المعارك الدائرة هناك، وكان برفقة الجيش الحر لينضم برحيله إلى قائمة من 70 صحفيا ومصورا قتلوا في سوريا منذ بداية الثورة، وفقا لرابطة الصحفيين السوريين. والراحل هو ابن محافظة السويداء، وكان مقيما في ألمانيا لدراسة الإخراج السينمائي، وشارك هناك في العديد من التظاهرات والأنشطة الداعمة للثورة السورية وسعى لنقل صورتها إلى العالم.

وقد نعاه أصدقاؤه وأبدوا الكثير من الحزن والتأثر ومنهم الصحفي السوري مسعود عكو، الذي قال للجزيرة نت "إن تامر كان يحلم بسوريا جديدة لتكون وطنا يتسع لجميع السوريين على أساس المواطنة".

رغم تقطع السبل بتامر العوام فإنه كان أبدا يعرف وجهته وقد بذل كل جهده لدعم الثورة أثناء وجوده في ألمانيا، وزار مخيمات اللاجئين السوريين في تركيا مراراً ونقل إلى وسائل الإعلام الصورة التي رآها بصوته المتحشرج بالغضب

فكرة التغيير
وقال الإعلامي السوري محمد منصور للجزيرة نت "عرفت تامر في أول مؤتمر أقيم للمعارضة السورية في أنطاليا بتركيا أواخر مايو/أيار 2011، كان مسكونا بفكرة التغيير في بلد اغترب عنه وعاش في ألمانيا مؤمنا -كما الكثير من الشباب السوري المبدع- بأن لا أفق للسينما وللإبداع في وطن كمموا أفواه أبنائه وحجروا على أحلام شبابه".

وأضاف منصور أنه رغم تقطع السبل بذلك الشاب فإنه كان أبدا يعرف وجهته وقد بذل كل جهده لدعم الثورة أثناء وجوده في ألمانيا، وزار مخيمات اللاجئين السوريين في تركيا مراراً ونقل إلى وسائل الإعلام الصورة التي رآها بصوته المتحشرج بالغضب، قبل أن يقرر الدخول إلى الأراضي السورية تسللاً في  يوليو/تموز 2012 حيث أنجز فيلما عن ريف إدلب بعنوان "ذاكرة الدموع" قام بإخراجه وقرأ تعليقه بصوته.

ويؤكد منصور أنه اقترح على المخرج الراحل عنوانا أكثر خصوصية للفيلم الذي يروي -في جزء كبير منه- معاناة الناس على الحواجز التي كان ينصبها النظام لتقطيع أوصال المدن الثائرة، فكان العنوان النهائي للفيلم "ذكريات على الحاجز".

وأشار إلى أن تامر قرر العودة مجددا إلى الأراضي السورية وكانت حلب وجهته هذه المرة بعد معارك الجيش الحر فيها، "اقترحت عليه أن ينجز فيلما عن موقف مسيحيي المدينة من الثورة، وهم الطبقة ذات النفوذ الاقتصادي الملحوظ، وكان يعمل على إنجاز هذا الفيلم بدأب إلى جانب تطوعه لإنجاز تقارير إخبارية تنقل جزءا مما يجري على الواقع".

في فيلمه "ذكريات على الحاجز" رصد تامر معاناة الناس في ريف إدلب والدمار الذي خلفته قوات الأسد، ووثق لأطفال يقولون إنهم يشتاقون لآبائهم الذين غادروا إلى الجنة

نبض الواقع
وختم منصور حديثه عن المخرج الشاب الذي احتفل قبل أسبوعين فقط بعيد ميلاده الخامس والثلاثين "لم تعد السينما بالنسبة له عملا إبداعيا منفصلا عن واقع مغيب وإنما صارت نبض الواقع في الحد الفاصل بين تحرر وطن وملحمة شعب، فاتجه نحو الأفلام الوثائقية عله يرصد تلك اللحظات المفصلية الهامة التي أدرك أن التاريخ سيكتب عنها وسيتوقف عندها مطولاً".

وفي فيلمه "ذكريات على الحاجز" رصد تامر معاناة الناس في ريف إدلب والدمار الذي خلفته قوات الأسد، ووثق لأطفال يقولون إنهم يشتاقون لآبائهم الذين غادروا إلى الجنة ومدارسهم التي تحولت إلى ثكنات عسكرية، وسكان لا يستطيعون حتى إنارة الضوء ليلا، ورجال يؤمنون بأن البلد تتسع لهم مهما تنوعت معتقداتهم ودياناتهم.

وكان من أواخر ما دونه تامر في صفحته الشخصية على فيسبوك "بين القذيفة والقذيفة تسألني المصورة النمساوية ما هو سبب القصف من مسافات بعيدة على المدينة؟ ألم تتدربوا في الجيش السوري على آلية حرب الشوارع كونكم في موقع حرب مع الإسرائيليين؟.. تسقط قذيفة جديدة وتقتل الإجابة".

وكان قد قتل خلال الأسبوعين الماضيين كل من المصور أنس العبد الله في حي التضامن بدمشق، وتحسين التوم في عربين، ونواف الهندي في بيت سحم بريف دمشق، والناشط الإعلامي محمد بديع القاسم في دير الزور. ويشار بهذا السياق إلى استمرار اعتقال المخرج السينمائي السوري عروة النيبرية الذي أوقفه الأمن في مطار دمشق بينما كان متوجها إلى القاهرة لحضور مهرجان سينمائي.

المصدر : الجزيرة