مها حسن
 
هل يمكن اعتبار الفيسبوك وسيلة نشر جديدة، تتيح للشعراء والقاصين وللسينمائيين والتشكيليين طرح أعمالهم على القراء بسهولة، بحيث لا يحتاجون إلى الصحف والمجلات ودور النشر العربية؟ ففي ظل انتشار صفحات الفيسبوك المهتمة بالأدب والنقد والرواية والفن التشكيلي والمسرح، صار من المتاح للمبدعين المعروفين والمغمورين أيضا نشر منتجهم الإبداعي عبر الفيسبوك.

إن "حالة فيسبوكية" واحدة، يكتبها شخص بلغة أنيقة وراقية، تتميز بمواصفات أدبية، قابلة للانتشار عبر دقائق قليلة، فيقرؤها آلاف المشتركين على الفيسبوك. ولو أخذنا الحالة السورية نموذجا، وفي المجال الأدبي لوجدنا صفحات عديدة خاصة بالمثقفين السوريين، كصفحة "تجمّع المثقفين السوريين" أو "سوريا في عيون المثقفين". كما توجد  بعض الصفحات الفردية، مثل صفحة "أكاد الجبل"، التي توثّق للأدب السوري الورقي والرقمي، والفيسبوكي خاصة.

ثمة حالات إبداعية انطلقت من فضاء الفيسبوك. شعراء لم يسمع بهم أحد، ولم يفكّروا في النشر، ولكن "شعبية" كتابتهم وانتشارها، على الفيسبوك صنعت لهم مكانا جديا في المشهد الشعري

وأي مقال أو مادة أدبية يكتبها أديب متمرس أو ناشئ، كفيلة بأن تُقرأ على صفحة الكاتب ذاته، إضافة إلى إمكانية "المشاركة" التي تتيح للكثير من المعجبين بالنص وضعه على صفحاتهم وإيصاله على قرّاء جدد قد لا يكونون من أصدقاء الكاتب الأصلي للمادة.

وبما يشبه تكاثر الخلايا فإن النص في وقت قصير، سيكون في متناول المئات أو الألوف، وهو الأمر الذي لا تحققه الصحافة الورقية خاصة، لا على مستوى الوقت، ولا نسب التوزيع مع تزايد الإقبال على الفيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي التي صارت ظاهرة العصر، وارتباطها بثورات الربيع العربي.

في سوريا -مثلا- يوجد ما بين ستمائة وسبعمائة ألف شخص يستعملون الفيسبوك- وفق مصادر بعض المهتمين- ولو أخذنا ربع هذا الرقم على الأقل باعتبارهم مهتمين بالشأن السوري، ثقافيا وسياسيا، لعثر الكاتب على حوالي مئتي ألف قارئ. ولو أخذنا نسبة عشرة بالمائة فقط، كي لا نذهب في توقعاتنا بعيدا، فإن نحو ألفي قارئ على الفيسبوك لمدة أسبوع فقط، يتجاوز مبيعات الكاتب العربي- مهما كانت شهرته- أكثر من سنة. حيث تطبع دور النشر قرابة خمسة آلاف نسخة، قلّما تنفد كلها في سنة واحدة، إلا إذا كان الكاتب من المُدرجين على لوائح "الأكثر مبيعا" العربية.

لم يبقَ كاتب عربي أو غربي تقريبا، حتى من الموجودين في قائمة "الأكثر مبيعا"، بعيدا عن عالم الفيسبوك، الذي يحقق له تواصلا فوريا مع القارئ، فما إن يخطّ أحدهم أية عبارة على الفيسبوك، حتى تأتيه إشارات الإعجاب الدالّة على قراءة ما كتب خلال ثوان قليلة.

إن صفحة "أنفي يطلق الروايات" على سبيل المثال، التي يشرف عليها الروائي العراقي أحمد سعداوي، تحتشد يوميا بعشرات الروابط، من أخبار الكتاب العالميين والعرب، وأخبار الإصدارات الجديدة لبعض أعضاء الصفحة، ومقتطفات حوارية لكتّاب معروفين، إضافة لروابط فيديو "يوتيوب" لمقابلات أدبية، يصعب الحصول عليها في الصحافة الورقية.

ربما كان استسهال استخدام الفيسبوك، خاصة في البلاد التي لا تحجبه، قد وفّر الحصول على المعلومة الأدبية فور ظهورها. فالكثير من أخبار مرض الكتاب العرب ووفاتهم، عرفناها عبر الفيسبوك، من أصدقاء مقربين من الكاتب ذاته. إن وفاة كل من إبراهيم أصلان، ومحمد البساطي، وحلمي سالم، عرف بها رواد الفيسبوك، قبل غيرهم، كما أعتقد، وكما حصل معي.

كثيرون من الكتّاب يضعون أيضا أخبار إصداراتهم، فالكاتب الذي تصله لوحة غلاف كتابه، من دار النشر، قبل طبعه والذي يذهب ببطء إلى الأقسام الثقافية للصحف والمجلات الأدبية أو المنوعة، يضع لوحة الغلاف على الصفحة، ليحصل في دقائق على عشرات، ثم مئات القرّاء المطلعين على آخر إصدارته.

من ناحية أخرى، أصبح الفيسبوك، المفتوح طيلة الوقت، عبر جهاز الآي باد، أو الجوال، وسيلة تبادل الرسائل الإلكترونية التي صرنا نستسهل كتابتها عبر الفيسبوك، بدلاً من "الإيميلات". بوصفي كاتبة، شاركت في الكثير من المقابلات الصحافية أو الاستطلاعات الأدبية والثقافية، عبر الفيسبوك، مع صحافيين لا يعرف أغلبهم عنواني الإلكتروني، ووسيلتنا الوحيدة للتخاطب، هي صفحة التواصل الاجتماعي هذه على شبكة الإنترنت.

هل يمكن أن يحل الفيسبوك يوما مكان الكتابة الرقمية أو الورقية، فيصبح المكان الأقرب للنشر؟ وهل يمكن اعتبار الفيسبوك فضاء جديدا يشجّع على البوح فينتج أدبا مختلفا، لا يحتاج إلى دور النشر، ولا يتعثّر أمام قوانين الرقابة

بعض الكتاب العرب يمارسون نزقهم وحالاتهم الإبداعية المباغتة والطازجة، على الفيسبوك، بحيث تضجّ كتابتهم بروح تختلف كثيرا، عما هي عليه، حين تُكتب، وتنقّح، وتعدّ بعناية، وتنتظر شهورا قبل الذهاب إلى المطبعة، في كتاب نقدي، أو مجموعة شعرية، أو رواية.

الشاعرة المصرية فاطمة قنديل، وهي أستاذة النقد الأدبي الحديث في جامعة حلوان، تكتب ذات صباح طازج: "وربما يقولون لو عاشت هذه الشاعرة لسنين أخرى لكتبت قصائد عظيمة. أسوأ ما يمكن أن تقدموه للشعراء هو أن تكملوا حياتهم المزعومة بخيالكم، لن يكتب الشاعر سوى ما كتب، تمهّلوا قليلاً بعد أن تدفنوه وضعوا آذانكم على قبره، ستسمعون صوت معوله في الأعماق وهو يحفر بكل ما أوتي من قوة حفرة أعمق، ليدفن فيها خياله".

هذا الكلام الشبيه بمانفيستو الذي يعبر عن موقف الشاعرة مما سيُقال بعد موتها، ربما لا يتاح له الظهور، إلا عبر لحظة مباغتة في الفيسبوك.

أما الشاعرة اللبنانية سمر دياب، فتمارس نزقا شعريا خالصا، فتُطلق على الفيسبوك حالات بوهيمية فاتنة، فتسلط غضبها من المشهد النقدي، والقارئ، وهمّ الكتابة، ولا تتورع عن استعمال ألفاظ، قد لا تستطيع تمريرها في كتاب مطبوع. هذا النوع من الكتابة، قد لا يجد مكانه في التصنيف النوعي للأدب، ويصعب نشره، ضمن التقييد النوعي والجنسوي للكتابة الحالية، التي ستؤثّر قريبا على الكتابة، وتُدخل أشكالا جديدة من الإبداع الأدبي، عبر ظاهرة الفيسبوك.

الكثير من الأدباء العرب ممن لم يكن القارئ يعرفهم لأسباب جغرافية أحيانا، أصبحوا معروفين وقريبين من القراء عبر الفيسبوك، كما صار القارئ في المغرب العربي مطّلعا على الأدب المشرقي، والعكس كذلك، عبر صفحات عربية أو بلغات أخرى، كما تفعل إحدى الصفحات الفرانكفونية المهتمة بالأدب العربي، عبر قرّاء ومتذوقين مغاربة، يقدّمون الكاتب المشرقي، في صفحاتهم.

ثمة حالات إبداعية انطلقت من فضاء الفيسبوك. شعراء لم يسمع بهم أحد، ولم يميلوا لممارسة دورهم في المشهد الشعري، ولم يعتبروا أنفسهم شعراء، ولم يفكّروا في النشر، ولكن "شعبية" كتابتهم وانتشارها، صنعت لهم مكانا جديا، فذهبوا بكتاباتهم، المؤسسة عبر الفيسبوك، إلى دور النشر، وأصبحوا شعراء في الواقع.

بالعودة إلى الحالة السورية  فثمة نصوص تُكتب تحت القصف، مخضبة بالخوف والمعارك ورائحة الموت. كتابات يمكن وصفها بنصوص الطوارئ. حيث تميزت أقلام شبابية، لا تمت إلى الأدب بصلة، من وجهة نظر أصحابها على الأقل، لتمارس دورها الإبداعي في الثورة السورية.

إحدى الفتيات الموهوبات جدا، والتي لا تريد انتشار اسمها، بسبب الخوف، تدوّن يوميات القصف في حلب، بطريقة أخّاذة إبداعيا، بحيث تتلقّفها صفحات الآخرين، لأسباب فنية، ولأسباب إنسانية وسياسية، للاطلاع على أخبار "المعارك" في مدينة "أم المعارك" -كما وصفها النظام السوري. وبذلك أصبح الفيسبوك فضاء للرواية المباشرة.

فهل يمكن أن يحل الفيسبوك يوما مكان الكتابة الرقمية أو الورقية، فيصبح المكان الأقرب للنشر؟  وهل يمكن اعتبار الفيسبوك فضاء جديدا يشجّع على البوح  فينتج أدبا مختلفا، لا يحتاج إلى دور النشر، ولا يتعثّر أمام قوانين الرقابة، وهل يمكن أن نحصل على إبداعات جديدة، تظهر الكثير من المواضيع المغيّبة خلف ديكتاتورية النشر، وتُزيح النجوم!
______________
روائية وكاتبة سورية

المصدر : الجزيرة