الاستثمارات الروسية بسوريا بلغت حوالي عشرين مليار دولار عام  2009 (الفرنسية-أرشيف)

في الوقت الذي يضيق فيه الخناق الدولي على نظام الرئيس السوري بشار الأسد لا يبدو أن روسيا بصدد مسايرة هذا الاتجاه, بل يبدو أنها ستقف حجر عثرة -مع إيران- في وجه ذلك, صحيح أن موسكو بذلك تحاول حماية مصالحها التجارية الكبيرة هناك, ولكنها أيضا تخشى من أن تؤدي أي حرب أهلية في سوريا إلى تداعيات خطيرة في مناطق روسية كداغستان وغيرها.

هذا ما يراه الكاتب بصحيفة غارديان البريطانية ديفد هيرست في مقال اختار له عنوان: "لمذا تدعم روسيا سوريا؟".

فبعد يوم واحد من إعلان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن القوات السورية ارتكبت جرائم ضد الإنسانية، وبعد إعلان تركيا أنها تدرس فرض منطقة عازلة على طول حدودها لحماية السوريين، ها هو وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يدعو لمزيد من الجهود للتعامل مع دمشق.

ويبرز هيرست أن لافروف عارض فكرة فرض حظر على بيع الأسلحة لسوريا, متعللا بأنه من غير المنصف توقع عدم رد الحكومة السورية على الاضطرابات, ومشيرا إلى أن الوزير الروسي عبر عن اعتقاده بأن جماعات المعارضة المسلحة إنما تستفز السلطات السورية.

وهذه -حسب هيرست- ليست كلمات جوفاء, إذ ذكرت القناة الروسية, التابعة للدولة, (روسيا اليوم) في محطتها الناطقة باللغة الإنجليزية، أن موسكو سترسل حاملة الطائرات أدميرال كوزنيتسوف، ترافقها سفينتان حربيتان في جولة لمدة شهرين بالبحر الأبيض المتوسط​​، وستتوقف في ميناء طرطوس السوري.

ويعمل 600 من الفنيين الروس حاليا هناك لتجديد هذا الميناء ليستخدم كقاعدة للسفن الروسية, وقالت (روسيا اليوم) إن الجولة كانت مقررة منذ وقت طويل، ولكن لا أحد يمكنه أن يغفل عدم ربط ذلك مع تواجد حاملة الطائرات الأميركية الحديثة (جورج بوش) قبالة الساحل السوري, كما وصلت يوم الخميس، شحنة من صواريخ كروز الروسية يانخونت  المضادة للسفن.

فلماذا كل هذا الاندفاع الروسي اتجاه سوريا، رغم أن موسكو لم تبد نفس الحماس في تعاملها مع ليبيا أو إيران؟

الجواب الأول هو المال, إذ بصرف النظر عن عقود تسلح بقيمة أربعة مليارات دولار ذكرت صحيفة موسكو تايمز مؤخرا أن الاستثمارات الروسية في البنية التحتية والطاقة والسياحة السورية بلغت 19.4 مليار دولار عام 2009.

ظلال ليبيا تجثم على سياسة روسيا مع سوريا, وهو ما يعكسه قول لافروف في أغسطس/آب الماضي إن روسيا ستقوم بكل ما في وسعها للحيلولة دون تكرر سيناريو ليبيا في سوريا
"

ولكن تلك ليست هي القصة الكاملة فظلال ليبيا تجثم على سياسة روسيا مع سوريا, وهو ما يعكسه قول لافروف في أغسطس/آب الماضي إن روسيا ستقوم بكل ما في وسعها للحيلولة دون تكرر سيناريو ليبيا في سوريا.

والمعروف أن نشر روسيا قطعها البحرية لا يوازي بحال من الأحوال ما لدى حلف شمال الاطلسي في هذا المجال، بل إن ثمة من ينتظره بفارغ الصبر, وسوف يكون مراقبو البحرية متلهفون لمعرفة ما إن كانت روسيا يمكن أن تبقي ثلاث سفن كبيرة في البحار دون انهيار إحداها؟

لكن مخاوف روسيا الحقيقية جيوإستراتيجية, إذ تخشى من انتقال عدوى الحرب الأهلية إن وقعت في سوريا  إلى مقاطعات روسيا نفسها في داغستان ومناطق القوقاز الشمالية.

فلو أن تمردا إسلاميا مطالبا بالاستقلال شب في داغستان, فإن الهزات الارتدادية لذلك قد تنفجر كالقنبلة التي تتناثر شظاياها من المعدن الساخن والأشخاص في أرجاء جنوب روسيا. 

ويبدو أن الحفاظ على وحدة سوريا مع التخلص من الدكتاتورية الشريرة التي تحكمها أصعب مما تصور القادة الغربيون أنه يمكن أن يتحقق عبر مزيد من العقوبات, أما تركيا فإنها تتحدث بقوة, لكنها تتصرف على أرض الواقع بشكل أكثر حذرا.

المصدر : غارديان