رضوى عاشور: الروايات التي تحيط بالثورة قد لا تكتب  في هذا الجيل (الجزيرة)

حاورها أحمد الشريقي

لا تكتفي الروائية والناقدة المصرية رضوى عاشور بما أنجزته على صعيد إبداعي ونقدي، وما حظيت به من تكريم، فمنذ صدور كتابها "أيام طالبة مصرية في أميركا" مرورا بروايتها التاريخية "ثلاثية غرناطة" وصولا إلى رواية "الطنطورية" ، كانت تشتبك في نصها الإبداعي مع الواقع مطمئنة إلى أن هذا واجب المبدع.

الجزيرة نت حاورت "صاحبة تقارير السيدة راء" بمناسبة فوزها بجائزة سلطان العويس وكان هذا اللقاء عن حقل الرواية.  

إذا ما أتيح للسيدة راء أن تضيف تقريرا الى سلسلة تقاريرها حول فوزها بجائزة سلطان العويس فما الذي يمكن أن يتضمنه التقرير؟

"تقارير السيدة راء" نصوص ساخرة ومضحكة (وإن كان الضحك في بعضها ضحكا كالبُكاء). الحصول على جائزة واقع لطيف ولا أدري كيف يمتزج هذا الواقع بالخيال فيولد نص كاريكاتوري؟ ولكن كل شيء ممكن على أي حال.

 

هل ثمة غيرة يشعر بها الناقد فيك، أن الجائزة كانت للمبدع والروائي ولم تكن له...، ثم أي فضل للناقد على المبدع فيما أنجز حتى الآن؟

كتاباتي النقدية قليلة نسبيا، ويعقد الأمر أن بعضها مكتوب بالإنجليزية. ورغم ذلك أعتز بهذه الكتابات، خاصة كتابي عن الشدياق ("الحداثة الممكنة")، حصلت على جائزة تاركوينيا كارداريللي، وهي جائزة إيطالية للباحثين في الأدب الإيطالي وتاريخه. ولها فرع يخصص لناقد غير إيطالي. ولقد شرفت بالحصول على هذه الجائزة عام 2009.

أما الشق الثاني من السؤال والخاص بفضل الناقد على المبدع، فلدي شك إن كان التأثير إيجابيا، لأن قراءاتي في الأدب ودراستي له وعملي بالنقد كانت أشبه بضوء مربك يجعلني أتساءل عن قيمة ما أكتب. دام هذا الأمر لأكثر من ربع قرن. أضيف أن أي عملية إبداعية تتضمن شقا نقديا، بمعنى أن المبدع هو القارئ الأول لنصه، وهو يقرأ كما يكتب بكل رصيده المعرفي.

يلح عليك أبطال "ثلاثية غرناطة" أبو جعفر وعلي ومريمة، هل ثمة حنين يداعبك لكتابة رواية تاريخية ، وإذا ما كان ذلك فأي مكان وزمان ذلك الذي ترغبين أن يكون أرضية هذه الرواية؟

أعتقد أن آخر روايتين لي روايات تاريخية "الطنطورية" (2010)  التي تتناول أكثر من نصف قرن من التاريخ الفلسطيني. و"فرج" (2008) التي تتناول تجربة الاعتقال السياسي لثلاثة أجيال من عائلة واحدة.

عالم نجيب محفوظ على تراميه وتنوعه يبقى محصورا في نطاق قاهرة المعز ومصر الطبقة الوسطى في نطاق القاهرة والإسكندرية

سبق أن قلت إن كل الروايات تاريخية بمعنى من المعاني، فللرواية علاقة خاصة بالتاريخ تميزها عن بقية الأجناس الأدبية، وشخصياتها فاعلة في واقع تاريخي بعينه يشكِّلها وتتفاعل معه.

ولا يقتصر الاشتباك مع قضايا الحاضر على الروايات التي تجري في الحاضر، بل يمتد إلى الروايات التي تدور أحداثها في الماضي، وهو في هذه الحالة اشتباك مضمر عادة يلجأ إلى المجاز أو تقديم عالم مواز لعالمنا المعيش ويعتمد على القارئ في الربط بين العالمين. ولا أقصد هنا الإسقاط الذي أرى فيه كسلا واستسهالا يصعب أن ينتج عنه فن.

وسوف نلاحظ أن السمعة السيئة التي عانى منها ما يسمى بالروايات التاريخية في النصف الأول من القرن العشرين والتي ربطتها بالبروباغندا (ومصدرها في رأيي تركيز التيار الحداثي على البطل الفرد وعالمه المغلق، والإعراض عن تقديم نسيج اجتماعي ممتد على طريقة روايات القرن التاسع عشر ودعاوى الاتجاهات الشكلانية بأنه من الأفضل الفصل بين الأدب والواقع التاريخي).

هذه السمعة السيئة بدأت تتلاشى تدريجيا بدءا من الثلث الأخير من القرن العشرين. واتجه العديد من الكتاب إلى كتابة نصوص ممتدة تتناول مراحل سابقة من التاريخ، لعل أشهرها "مائة عام من العزلة" و"اسم الوردة"، بل برزت الروايات الوثائقية التي تضفر المتخيل بوقائع التاريخ.

بمناسبة الرواية التاريخية ثمة جدل متواصل حولها منذ جرجي زيدان وحتى الآن، وذهب بعضهم إلى تسميتها بالتخيل التاريخي، ما الذي ترينه أنت حول ذلك ثم إلى أي حد ترين أن النص التاريخي إذا أصبح بحوزة المبدع غدا ملكا له وحده؟

الرواية فن مفتوح، مرن فضفاض، أقرب لحوت الأسطورة في قدرته على ابتلاع أجسام كاملة

الأمر يختلف تبعا لشكل الكتابة الذي يستخدمه الكاتب، قد يختار الكاتب الرواية الوثائقية أو الواقعية أو يضفر بين الاثنتين وقد يتجه إلى الفانتازيا، وقد يعد واقعة من الماضي مرتكزا ونقطة انطلاق إلى عالم من صنع خياله... إلخ.

في اعتقادي أن الكتابة تفتح الباب على أشكال لا حصر لها، والرواية تحديدا قد عرفت بأنها anti genre أي شكل مفتوح يتحدى شروطه كجنس أدبي ويخلخل حدوده ويعيد ترسيمها باستمرار.

وكما قلت في محاضرة لي إن الرواية فن مفتوح، مرن فضفاض، أقرب لحوت الأسطورة في قدرته على ابتلاع أجسام كاملة. تسمح بنية الرواية ونسيجها بمزج المتخيل بالوثائقي، والمشهد النابض بالفعل والحركة واضطرام المشاعر بالتفكُّر والتأمل أو الخوض في تفاصيل معرفية مجردة، تاريخية أو جغرافية أو قانونية أو علمية.

هذا سؤال ندرج على ترديده بعد كل محطة أو حدث مفصلي، أسأل عن الآفاق الإبداعية وهواجس المبدع المصري بعد 25 يناير؟

ما زلنا في حومة الثورة التي قد تنتج قصائد عظيمة أو ربما أنتجت فعلا نصا شعريا جميلا. ولكن الروايات التي تحيط بالثورة قد لا تكتب في هذا الجيل، أو ربما تكتب بعد عقد من الزمان.

المؤكد أن الثورة، هذا العمل الجماعي الفذ واعتصامات ميادين التحرير وتجربة مواجهة الموت ستغير اتجاها كان سائدا بين كثير من الكتاب الشباب حيث البطل منعزل بين أربعة جدران. النسيج أصبح مرئيا في مدى تشابكه وتداخله وتفاعله. حتى الموت تلك التجربة الفردية بامتياز كان جماعيا.

تقديري أن شكل الكتابة سيختلف حتى لو فشلت الثورة أو سرقت. حتى لو سقطنا في اكتئاب، قد نتوقف لفترة عن الكتابة، ولكن حين نستعيد توازننا ونتمكن من التعبير عن أنفسنا سنكون جميعا قد مررنا بتجربة بهية وقاسية، عشناها معا، وهذا ما لا يمكن نسيانه.

ما رأيك فيما ذهب إليه فيصل دراج من أن أحدا حتى الآن لم يتجاوز المرجعية الروائية التي دشنها نجيب محفوظ؟

حين تكون في حومة الحدث لا تستطيع أن تقف جانبا وهذا ما تتطلبه الكتابة وتنجز عملا جيدا

إن كان المقصود أن أحدا من الروائيين العرب لم يتجاوز نجيب محفوظ في امتداد عالمه الروائي ورحابته المترامية وتعدد شخصياته وتنوعها، فالأرجح أنه على حق. ولكن إن كان جادا في استخدام كلمة مرجعية أي أننا نسير على هدي نجيب محفوظ  ونكتب مثله، فأنا أختلف.

لم تعد الرواية العربية تكتب في ثلاثة أو أربعة بلدان كما كان الوضع قبل نصف قرن مثلا، بل تكتب في غالبية البلدان العربية، يكتبها رجال ونساء، يقدمون رؤى متعددة وتجارب مختلفة.

إن عالم نجيب محفوظ على تراميه وتنوعه يبقى محصورا في نطاق قاهرة المعز ومصر الطبقة الوسطى في نطاق القاهرة والإسكندرية. أما الرواية العربية الآن فقد قدمت عالم المدن وعالم الصحراء، حيز الرجال وحيز النساء، تجربة الحرب الأهلية في المدن وتجربة الفلاحين في الريف والهوامش. تجربة المنفى في الوطن وخارجه... إلخ.

لم تعد الواقعية هي السمة الغالبة من حيث الشكل، بل صارت اتجاها في الكتابة حاضرا في الساحة ضمن أساليب أخرى، منها الحداثي وما بعد الحداثي والوثائقي التجريبي والذي يستلهم موروث الحكي العربي... إلخ. بهذه المعنى نكون تجاوزنا مرجعية محفوظ.

وكم سنحتاج لتعويض غيابات المبدعين الكبار في الفكر(عبد الرحمن بدوي، محمود أمين العالم، عبد الوهاب المسيري، وفي الشعر محمد عفيفي مطر أمل دنقل وغيرهم؟

لا أميل إلى هذه النظرة، فأرض العرب ولادة وهناك دائما مبدعون جدد في شتى المجالات. شعراء وروائيون وباحثون ومفكرون. ولا أريد أن أذكر أسماء لأن القائمة في اعتقادي طويلة جدا.

أنت صاحبة انشغالات كثيرة في النقد والإبداع والدفاع عن قضايا المرأة، لكن ماذا عن مشاريعك على صعيد الإبداع والنقد، التي تعملين عليها؟

الآن لا أكتب شيئا، لا أفعل سوى ما علي فعله من باب الضرورة، أعني أداء محاضراتي أو مراجعة رسالة ماجستير أو دكتوراه، نحن في حومة الثورة، وسواء كانت مشاركتي أساسية أو هامشية فأنا منشغلة بها، وحين تكون في حومة الحدث لا تستطيع أن تقف جانبا، وهذا ما تتطلبه الكتابة، وتنجز عملا جيدا.

المصدر : الجزيرة