غلاف رواية "معذبتي"  للروائي المغربي بنسالم حميش (الجزيرة نت)

نور الهدى غولي
 
في رواية "معذبتي" للروائي المغربي بنسالم حميش، ندخل مباشرة غياهب السجون والزنزانات القذرة، نتخيل أنّ المكان هو بقعة مغربية أو حتى عربية قبل أن ينعشنا الكاتب بفكرة أنّ "حموده"، المواطن المغربي الطيب، وجد نفسه فجأة مربوطا ومساقا إلى حبس سري مجهول الموقع، تديره جهات أجنبية خفية بأيد متعددة الجنسيات أي ما يمكن تسميته "عولمة السجون".

يحيل عنوان الرواية -التي وصلت القائمة القصيرة الجائزة العالمية للرواية العربية" (البوكر العربية)- إلى البيت الشعري "معللتي بالوصل والموت دونه".
 
لكن إسقاطات هذا البيت ستكون حاضرة بصورة عكسية كاملة. قد يسندك التمهيد الأول في النص لتفكر بالمرأة المعذبة عاطفيا، قبل أن تتخلى نهائيا عن معنى البيت الشعري لصالح معان أخرى مغايرة تماما حين تغوص أكثر في صفحات الكتاب.

"عزيزي حموده.. إذا شقّ عليك أن تصير خديم أعتاب الطغاة وخططهم الجهنمية، جاسوسا مخترقا، عميلا مزدوجا، قاتلا أجيرا، فعليك بمراودة حل قد ينجيك لو أتقنته: أن تتحامق وتتمارض.. دوخ مستنطقيك بأعتى كلام الحمقى والمجانين، هدّد معذبيك بسعالك وعدوى مرضك، لعل وعسى أن ييأسوا منك، فيعيدوك إلى موطنك أو قريبا منه مخدرا بأفيون...".

هذه كانت الرسالة التي استقرت بجيب بطلنا "حموده" من طرف نعيمة التي كنا نتوقع، كقرّاء، أنها هي "معذبته"، خاصة أنها كانت الرسالة التي أنقذته من غياهب السجون والأسر والتعذيب.. لكن الروائي تفطن إلى ضرورة عدم تضييعنا كثيرا، إذ سريعا ما يعطينا تفاصيل جديدة كفيلة بمنح وعينا منحى مختلفا عما كنا نتصوره.
 
وزير الثقافة المغربي بنسالم حميش
(الجزيرة-أرشيف)
الراهن السياسي
وسنعرف أيضا أن بنسالم حميش قد ابتعد عن حقله الذي أبدع فيه دائما، وهو الرواية التاريخية. فهنا نص يشتغل على الراهن السياسي والحياتي وإن كان لا يزال هذا الروائي متكئا على لغته التراثية القديمة المحببة.

يحبس "حموده" ثم يحقق معه قاضي محقق قبل أن يرسل إلى جلسات تعذيب خاصة دونما سبب واضح. وهنا سيكمن مربط فرس الرواية. فلن يكون الجلاد سوى امرأة ضخمة بشعة ومنفرة، لا تشبه الأنثى في شيء، تلقّب بـ"الغولة".
 
ويبدو جليا أن حميش قد اقتبس مشهدا من فضيحة وكالة المخابرات الأميركية التي نقلت بعض المساجين إلى بلدان معروفة بممارسة التعذيب للحصول على اعترافات منهم. وقد يتشابك نص "معذبتي" مع رواية "عربة المجانين" للروائي كارلوس ليسكانو أو قد تقترب أكثر من رواية مواطنه الطاهر بن جلون "تلك العتمة الباهرة".
 
وكما تشهد أيضا تناصا أكبر مع الكتاب التسجيلي لمواطنه محمد المرزوقي "تزمامارت: زنزانة رقم 10".. ذاك النوع من سير المساجين الذين ألفوا أنفسهم، دونما سابق إنذار، تحت سطوة التعذيب والاتهامات المباشرة المجانية.
 
لكن الروائي حميش يرتفع بنصه أكثر ليأخذ فكرة عولمة التعذيب، وما أثرى عمله أكثر هو الاشتغال الدائم على لغته المميزة. تلك الألفاظ القديمة المستجدة المبنية وفق نسق لغوي خاص يمنح النص ككل إيقاعا جماليا مميزا. فحتى في حكايته الراهنة الأحداث لم يتخل الروائي عن هوايته التراثية.

"
حبكة الرواية قريبة كثيرا من عوالم السيناريو السينمائي. وهي ميزة كثيرا ما اشتغل عليها الروائي بنسالم حميش فيعيد قولبة "الإرث" التراثي والتاريخي القديم إلى نصوص حداثية
"
الجحيم و الحبكة
لم تخل "معذبتي" من مفاجآت كانت تزيد من قوة الحبكة الروائية، نندهش كيف أن عمال السجون هم شخصيات تعذب وتتعذب في الوقت نفسه، نستغرب كيف أنه يمكن للميت أن يعود للحياة من جديد ليلعب دورا آخر جديدا، لا نفهم كيف يتسنى للأكاذيب أن تستقر في وعي الناس كحقائق بدهية لا يمكن للشك أن يتسرب إليها.

كل هذه الجزئيات هي حبكة محكمة تحسب بصورة حاسمة لصالح الروائي، ولكن ما لا يمكن استيعابه كثيرا هو بعض القفزات على مستوى الأحداث التي كانت تخلق هوة في المسار الحكائي.
 
كما أن خصوصية النص المغربي تناقضت وفكرة كون السجن متعدد الجنسيات، فلم نكن نلمس سوى التفاصيل المغربية من لهجة وألقاب وأسماء وأغان تراثية، والشخصية الوحيدة المغايرة للنسق كانت ذات لهجة مصرية!

إن "معذبتي" نص قوي، سياسي صادم، رواية من الروايات الست المرشحة لنيل جائزة البوكر التي سيعلن عن فائزها بعد أشهر قلائل من الآن. اشتغل فيها صاحبها، وزير الثقافة المغربية الحالي، على فكرة عولمة التعذيب من خلال سجن متعدد الجنسيات.

وقد عالجه في الأخير برغبة "حموده" في العيش بالبادية بعيدا عن صخب المدينة وإزعاجاتها، حيث يتزوج فتاة ريفية ويشتغل في حقل قريب من البيت.
 
إن حبكة الرواية قريبة كثيرا من عوالم السيناريو السينمائي. وهي ميزة كثيرا ما اشتغل عليها الروائي بنسالم حميش، فهو يعيد قولبة "الإرث" التراثي والتاريخي القديم إلى نصوص حداثية.

المصدر : الجزيرة