الجزيرة في عيونهم
آخر تحديث: 2006/11/6 الساعة 12:57 (مكة المكرمة) الموافق 1427/10/15 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2006/11/6 الساعة 12:57 (مكة المكرمة) الموافق 1427/10/15 هـ

الجزيرة في عيونهم

 
 
فرضت مسيرة قناة الجزيرة منذ نشأتها وإلى الآن تساؤلات لدى جمهور من المثقفين والإعلاميين والسياسيين. فقد رأى بعض هؤلاء في تناول القناة لبعض القضايا العربية والقضايا الثنائية تعكيرا للأجواء العربية وإثارة للبلبلة وبثا للفرقة، بالمقابل اعتبرها البعض هامشا للحرية محمود يرسخ منهجا مهنيا افتقده الإعلام العربي حتى فترات طويلة.
 
وبين الرأيين ظل الجمهور العربي في عمومه متشبثا بالقناة وبرامجها ومنهجها وإن احتاجت الأمور إلى أن توضح القناة أحيانا بعض اللبس الناتج في الأذهان عن الحملة المضادة لها.
 

وتأتي هذه المحاولة بعد عشر سنوات على انطلاق هذه القناة العربية المثيرة للجدل والإختلاف لإثارة النقاش وتلخيص تأثيرها على الإعلام العربي والعالمي. 

كيف ترى العالم بعد مرور عشر سنوات على على انطلاق قناة الجزيرة الفضائية؟

وفيما يلي آراء بعض من الكتاب العرب:

___________________________________
علي نصار                             فهمي هويدي          
 
عماد فوزي الشعيبي                   هيثم مناع  
 
توجان الفيصل                         أحمد البغدادي                      

___________________________________

علي نصار، كاتب لبناني

أشكر الجزيرة على اهتمامها بطلب رأي المشاهدين الكتاب، وأعتذر عن تقديم إجابة كاملة عن السؤال المطروح "كيف تقيم الجزيرة بعد عشر سنوات لانطلاقتها الأولى؟"، لأنها تقتضي مقالا يتعذر شرحه وصوغه الآن، ولذا أكتفي بتدوين الملاحظات التالية:

1 ـ تمكنت "الجزيرة" أن تحدث تطورا ملموسا في صناعة الإعلام العربية، وأن تشكل تطورا بارزا في صناعة الإعلام الدولية. وهذا التطور المزدوج يرفع المنزلة المهنية للإعلام والإعلاميين في الوطن العربي.

2 ـ تكشف المقارنة البسيطة ما بين مستوى انطلاقتها الأولى ومستواها الراهن، أن "الجزيرة" قد اجتازت، في رأيي، امتحان الوثوق والصدقية. فالنجاح في هذا الامتحان منحها، بامتياز، مرتبة المحطة العربية الأولى.

3 ـ تملك "الجزيرة" أثرا سياسيا في تكوين الوعي السياسي العربي المعاصر من خلال ما تقدمه من برامج إخبارية وسياسية مختلفة، وهو أثر يشاركها فيه بقية "الزميلات" العربيات أو الناطقات بالعربية. لكن انحياز "الجزيرة" إلى جدول أعمال عربي "أكثري" يزيد من تألق سلطانها الإعلامي في الفضاء العربي.

4 ـ أقول مخلصا، مع إدراكي للظروف والمبررات، إن "الجزيرة" قدمت برامج إخبارية وسياسية ملوثة بذهنية فكرية وسياسية تتعارض وانحيازها إلى جدول الأعمال العربي "الأكثري". وهذه البرامج، تبدو لي، وكأن معديها من أنصار مفهوم "صراع الحضارات" الرجعي والظلامي.

شكرا مرة أخرى والسلام.

__________________________________

 
في مناسبة مرور عشر سنوات على انطلاق قناة الجزيرة يحق لنا أن نتساءل لماذا حققت الجزيرة نجاحها الكبير؟ اذ لايمكن لأي منصف أن يكابر في نجاحها أو يشكك فيه، خصوصا في ظل الهجوم المستمر عليها من داخل العالم العربي وخارجه، ذلك أن الأجسام المريضة أو الميتة لا يأبه بها أحد ، وانما تستدعي الرثاء وتثير العواطف. اما الأجسام الحية الفتية فهي التي تلفت الأنظار وتثير الجدل، وربما راكمت الحسد والضغينة من من جانب المنافسين.
 
في الإجابة على السؤال لماذا نجحت الجزيرة نستطيع أن نرصد في ذلك أسبابا عشرة هي:
 
- انها ظهرت في زمن عربي كان الغدر في المواقف بين عناوين المهمة، اعني انه زمن لم يعد يحتمل المواقف الرمادية، خصوصا بعدما كشفت الأوراق في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة، وبالتالي فقد تعين على كل مشتغل في العمل العام أو مشارك في الشان العام ان يحدد بوضوح في أي مربع يقف.
 
-اثبتت الجزيرة انحيازها للضمير العربي ومارست ذلك الدور بدرجة معتبرة من الحرفية ودرجة أعلى من الشجاعة دفعت ثمنها من حياة وحرية كوادرها الذين تم استهدافهم في افغانستان والعراق. ولذلك استحقت ان توصف انها قناة مقاتلة.
 
- لانها نجحت في تقديم الأحداث بأعين عربية، مكنت المشاهد من أن يستشعر الصدق فيها ومن ثم حرفته من متابعة تلك الأحداث من خلال الإذاعات والمحطات الفضائية الغربية.
 
- لآنها ترفعت عن الدخول في سباق الابتذال ودغدغة الغرائز التي لجأت اليها محطات وقنوات عربية أخرى لجذب المشاهدين، ومن ثم اختارت في خطابها أن تتوجه إلى عقول المشاهدين وقلوبهم دون غرائزهم.
 
- لانها تمكنت من أن تقدم صيغة متوازنة عبرت عن الانتماء العربي والاسلامي ، الأمر الذي رفع من رصيد صدقيتها لدى الجمهور المتلقي الذي يشكل ذلك الانتماء المزدوج الركيزة الاساسية لهويته.
 
- لانها مارست دورها بصورة مستقلة اخرجها من نطاق الوصاية الحكومية التي تخضع لها الأغلبية السالحقة من وسائل الإعلام في العالم العربي.
 
- هذا الاستقلال مكن الجزيرة أن ترفع عاليا سقف الحوار الشجاع في برامجها الذي مس مختلف قضايا العالم العربي بلا حساسية، وهو ما جعلها تشبع رغبة عارمة وتروي ظمأ شديد في العالم العربي الذي تفتقد اغلب المنابر الاعلامية فيه الى مثل هذه الشجاعة في حين لاتعبر اغلب المنابر إلا عن وجهة نظر واحدة، هي الرسمية بطبيعة الحال.
 
- ساعد على الصعود السريع للجزيرة ، اضافة الى مواقفها، ان الساحة الاعلامية العربية تبدو شبه فارغة بسبب قوة الضغوط والقيود الحكومية المفروضة على مختلف وسائل الاعلام في كل بلد عربي.
 
- من حظ الجزيرة ان امكانيات مادية جيدة توفرت لها فغطت بجدارة التكاليف الباهظة للبث كما اتاحت لها ان تنشر مراسليها ومكاتبها في مختلف انحاء العالم على نحو يفوق بكثير ما هو متوفر للقنوات المماثلة وبهذه الشبكة من المكاتب والمراسلين حققت الجزيرة تقدما في الانتشار الافقي عزز الأداء ورفع من درجة فعاليته.
 
- نكاد نلمح في الجزيرة وكوادرها تجسيدا للعمل العربي المشترك، ذلك انها نجحت في استقطاب كفاءات مهنية عالية من كافة الأقطار العربية، حتى اصبح المشاهد العربي يجد على شاشاتها جزءا منه إلى جانب القضية التي تشغله، وبهذه الباقة من العاملين استحقت الجزيرة ان توصف بأنها جامعة البث العربية.
 
أن نجاح الجزيرة الذي تحقق في السنوات العشر يحملها مسؤولية أكبر للحفاظ على الانجاز الذي بلغته، ومطروح عليها كل حين السؤال التالي: كيف تحتفظ بفتوتها ، وتقاوم مظاهر الشيخوخة والهرم؟ والنجاح في ذلك الامتحان يمثل التحدي المستقبلي الكبير للقناة والعاملين فيها.


 
__________________________________
 
 
من المؤكد أن تجربة الجزيرة مهمة للغاية فهي قد بدأت كمشروع مغاير، الأمر الذي أوقعها في البدايات في مأزق التجارب التي تعتمد مبدأ خالف تُعرف فكانت أغلب برامجها استعراضية وخلافية ولا هدف لها إلا إثارة البعد الغرائزي القطيعي كما هو معروف في علم النفس الجمعي للمشاهدين، لكنها صححت مسارها بسرعة واكتسبت حرفية ومصداقية عالية جدا ، فهي لم تعد إداة للوخز بل اضطلعت بقضايا الأمة كما لم تضطلع بها وسائل إعلامية تعلن التزامها. وألهم أن الجزيرة نالت مصداقية القناة الإعلامية الملتزمة بخط الصراع الأساسي ، فلم تستغرقها وحشية الصورة والخبر المثيران طويلا بل كانت المعبر الأساسي عن الخبر ذي المصداقية غير الغرائزيةأستطيع القول بلا مجاملات أن الجزيرة هي القناة الوحيدة التي راكمت تجربة في الاتجاه الصحيح بينما غيرها لا يزال كبرميل بلا قعر لا يُراكم تجربة.


 
___________________________________
 
 

لم تكن الجزيرة الفضائية الأولى بل لعل السنوات الأولى للفضائيات التي سبقتها لم تعط أي انطباع بحدوث ثورة اتصالات وتواصل سمعي بصري مختلف نوعيا عن فترة الفضاء الوطني للإعلام. إذن الجزيرة شكلت حالة انقطاع مع مدرسة ونهج في الإعلام يعتبر الخطاب الرسمي وحده صالحا أو قابلا للتوزيع او مسموحا به. لقد شكلت قطيعة مع نهج يستقبل فقط معارضة الغير لتوظيفها في خدمة الذات الحاكمة. ولعل من حسن الحظ دخول العرب عالم الفضائيات قبل الجزيرة لكي تبرز أكثر قضية القرار السياسي الإنساني وليس فقط تطور التقنيات والثورة الإعلامية. فالعديد من التلفزيونات الأحادية الخطاب والرؤية والتصور تعيش مع ثورة الاتصالات وكأنها تشاطر أهل الكهف مثواهم خارج التاريخ الحي.

 الجزيرة كسرت الاستسلام المسبق لصحافة الطاعة والكسل الذهني للصحفي وزرعت التحريض الإعلامي في عمق المواطن المحروم من مواطنيته. بهذا المعنى أدخلت هذه التجربة الرائدة مفهوم السلطة الرابعة للفضاء الذهني والمعرفي العربي وجعلت منه حليفا أقرب للمجتمعات المدنية منه للمجتمعات التسلطية والمغلقة. كم كان عدد قراء هيثم مناع، بفضل الجزيرة صفحتي الخاصة يتابعها شهريا أربعة أضعاف من يشتري كتابا لي. لقد أخرجتنا تجربة الجزيرة التي تحولت اليوم إلى (جزر بالجمع)، من الإنتاج الضيق إلى الانتاج الواسع وحققت في عدة بلدان وهوامش، منافسة حقيقية في الأداء والبرنامج والنزاهة والشفافية في الصراعات المدنية والسياسية والثقافية. والتحدي اليوم في القدرة الدائمة على تجاوز الذات.



 

______________________________________
 
 
حتى ظهور الفضائيات، ظل الإعلام العربي الذي واكب (التقنية) الحديثة يدور في إطار إعلام الدولة الذي لخص مفهومه أحد الصحفيين الأردنيين حين عين وزير للاعلام بوصفه لدوره بأنه "شاعر القبيلة" والحقيقة أن هذا هو أول (وصف وظيفي) بمهمة وزراء الإعلام وكافة المؤسسات العلامية العربية الرسمية والى حد بعيد غير الرسمية التي تسمى (المستقلة).
 
ومن هنا كان كل ما استفاده العرب من تقنية الفضائيات، نقل بيانات (المديح) للحاكم و(الهجاء) لمعارضيه إلى جمهور أوسع: والأسوأ، ان (المادة) الترفيهية المرافقة، والتي تقدم كطعم لاجتذاب المشاهد، انعكس عليها هذا التنافس سلبا، وتوالى هبوط سويتها بحيث ألزم الحرج الأخلاقي أن يزعم أصحابها أنه (محطات مهاجرة) وغير مهاجرة في آن!! وجاءت الجزيرة لتشكل أكثر من
 مجرد حالة مغايرة.
 
فهي لم تقدم فقط الخدمة الاعلامية المحايدة والموضوعية الغائبة بالذات عن متناول يد الغالبية الساحقة من الشارع العربي الذي لايتقن لغات أخرى: بل وقدمت النموذج الذي اضطر الاعلام العربي لرفع سويته المهنية ولو بقدر متواضع، على أمل منافسة الجزيرة على الجمهور العريض الذي استقطبته.
 
ولتبين الفارق النوعي الحاصل، اعتقد أنه من المهم أن تجري دراسات للأساليب التي كانت تتبعها الصحافة العربية، وبالذات في معالجة مواضيع كانت وما تزال موضع بحث واهتمام عربيين، ما قبل وما بعد ظهور وانتشار الجزيرة: هذا مع أن بعض الاقتداء بالجزيرة، كعرض وجهة النظر الأخرى ولو كانت للعدو، جرى فقط على سبيل (الرخصة) لإعطاء المنابر لعديد من اعداء الأمة في حين استمر تغيب القوى الوطنية والقومية المعارضة عن الاعلام الرسمي.
 
والأطرف أن من قفزوا لهذه (الرخصة) ظلوا يتهمون الجزيرة بفتح منابرها للآعداء!!
بقي جانب واحد لم تطوره الجزيرة -رغم اهميته القصوى بحيث يكاد يكون قضية العصر- بذات الحرص على التوازن بعرض تعددي منفتح على كامل الطيف الفكري الذي يطرح نفسه بزخم وقوة على الساحة العربية والعالمية، وهو البرامج الدينية التي ما عاد يمكن فصلها عن السياسة.
 
ففي هذا فقط استنسخت الجزيرة تجربة الاعلام العربي، بل وأغرقت فيه لدرجة اختزال الرأي والمرجعية الدينية لرأي ومرجعية واحدة، مما طرح ويطرح أكثر من تساؤل لا يجد له إجابة أو مبررا.
 
__________________________________

لا يختلف اثنان على أن قناة الجزيرة جعلت من دولة قطر المنسية حتى على مستوى الخليج, علما إعلاميا بارزا على الصعيد العالمي, وليس فقط العربي والخليجي. قناة الجزيرة بغوغائيتها كما يرى البعض, أو بصراحتها غير المعهودة عربيا كما يرى البعض الآخر, تمكنت خلال سنوات عشر من فرض أسلوبها الخاص سواء اتفقنا أو اختلفنا معه, لكنه أسلوب إعلامي متفرد, لم تتمكن القنوات الفضائية العربية الأخرى من مجاراته. لكن ما كان لهذا الأسلوب أن يعمل على أرض الواقع لولا الرغبة لدى الحكومة القطرية في فرض ذاتها على الساحتين العربية والدولية إعلاميا, من خلال قناة خاصة تستطيع قطر من خلالها الادعاء بأنها قناة خاصة لا سلطان لقطر عليها, وهو واقع يشبه صندوق التنمية الكويتي الذي أسسته دولة الكويت في بداية عهد الاستقلال حتى تتخلص من المشاكل السياسية التي ترافق القروض العربية عادة, ذلك أن الدول العربية شاطرة في أكل حقوق الدول الخليجية بالباطل وبلا حياء. وقطر لم تتوقف عند قناة الجزيرة, بل رافق ذلك افتراق واضح وصريح للسياسات الخليجية والعربية, كما هو حاصل بالنسبة للعلاقات مع إسرائيل مثلا. لكن في نهاية الأمر تظل الجزيرة قناة فضائية تابعة لدولة قطر, وتحسب حسابا دقيقا لأوامرها, فلا تتعرض للوجود الأميركي على الأراضي القطرية, ولا تتعرض للسياسات الحكومية الظالمة كما حدث حين تغاضت الجزيرة عن الذين تم تجريدهم من الجنسية القطرية, كما لم تتعرض المحطة لقانون التجنيس القطري السيئ.

من جانب آخر مهدت الجزيرة الطريق لسيطرة أسوأ جماعة دينية عرفها التاريخ المعاصر على الإعلام القطري, وهي جماعة الإخوان المسلمين بزعامة يوسف القرضاوي, وطبعا حتى هذا لم يتم بدون موافقة الحكومة القطرية. وفي جميع الأحوال سواء اتفقنا أو اختلفنا مع الأسلوب الإعلامي لقناة الجزيرة, فلا شك أنها استطاعت في زمن قصير نسبيا فرض هذا الأسلوب, وأن تفرض علامتها الشهيرة على الشاشات الأجنبية, فضلا عن سعي الآخرين في محاولة مواجهتها, أو تقليد أسلوبها الإعلامي خاصة من خلال البرامج الحوارية الساخنة.

وفي جميع الأحوال لا نقول للعاملين في قناة الجزيرة سوى: عيد ميلاد سعيد... حتى وإن غضب الآخرون.


المصدر : الجزيرة