الأكراد يطالبون بإعادة الإحصاء وتجاوز إحصاء عام 1962 (الفرنسية-أرشيف)

يمثل أكراد سوريا ثاني أكبر مجموعة عرقية في سوريا بعد العرب، ولا يعرف على وجه اليقين العدد الفعلي لهم في ظل غياب أي إحصاءات رسمية.

وتتراوح التقديرات غير الرسمية لأعدادهم ما بين مليون ومليونين، وبعض المصادر المقربة من الأكراد ترفع تلك التقديرات إلى نحو ثلاثة ملايين نسمة من أصل أكثر من 23 مليونا هم عدد سكان سوريا.

وبموجب اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 التي أعادت تقسيم بلدان العالم الإسلامي فقد أصبح جزء من الشعب الكردي ضمن الدولة السورية كجزء هام ومكون أساسي من مكوناته.

ويقطن الأكراد بشكل أساسي في ثلاث مناطق ضمن الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا والعراق من أهمها منطقة الجزيرة بمحافظة الحسكة، وعفرين بشمال حلب، وعين العرب (منطقة كوباني).

وقد شهدت المناطق الكردية هجرات في العقود الماضية إلى العاصمة دمشق وإلى كبريات المدن السورية، وحتى إلى خارج البلد بحثا عن فرص أفضل في التعليم والعمل.

وتقيم أعداد كبيرة من الأكراد في مناطق الريف السوري للاشتغال بالزراعة والرعي، والغالبية الساحقة من الأكراد مسلمون سنة يتبعون المذهب الشافعي.

إحصاء الحسكة
ورغم أن العلاقة بين المجموعة الكردية مع بقية المجتمع السوري ظلت علاقة ود وانسجام، إلا أن إحصاء الحسكة مثل علامة فارقة في تاريخ العلاقة بين السلطة الحاكمة في دمشق مع المجموعة الكردية القاطن أغلبها في الشمال والشمال الشرقي للبلاد.

وتم هذا الإحصاء في عهد الرئيس السوري ناظم القدسي يوم 5 أكتوبر/ تشرين الأول 1962 ونجم عنه انقسام الأكراد في سوريا إلى:

- أكراد يتمتعون بالجنسية السورية. 
- أكراد يتجردون من الجنسية ومسجلون في القيود الرسمية على أنهم أجانب. 
- أكراد مجّردون من الجنسية غير مقيدين في سجلات الأحوال المدنية الرسمية، وأطلق عليهم وصف مكتوم القيد وهو مصطلح إداري سوري يشير إلى عدم وجود الشخص المعني في السجلات الرسمية.

وتشير المصادر الكردية إلى أن هذا الإحصاء الاستثنائي الذي مثل "أول إجراء تمييزي" في حق الأكراد تسبب حينها في حرمان أكثر من سبعين ألف كردي من الحصول على الجنسية السورية، وأن هذا العدد تضاعف مع الوقت ليصل في الوقت الحالي إلى نحو ثلاثمائة ألف شخص يفقدون كل الحقوق الأساسية من هوية وصحة وتعليم وعمل وتملك، وغير ذلك من الخدمات.

ومنذ ذلك التاريخ بدأ التوتر يحكم مسار العلاقة بين حكومة دمشق والمجموعة الكردية، وطيلة العقود الماضية ظلت مظاهر التوتر تتكشف من خلال الاحتجاجات والاضطرابات بالمناطق الكردية، والاغتيالات والاعتقالات في صفوف قادة وناشطي هذه المجموعة، رغم أن أعدادا كبيرة منهم يدينون بالولاء لصالح النظام الحاكم بدمشق، وبعضهم يتولى وظائف سامية بالدولة.

ويشكو الأكراد السوريون من الاعتداء على هويتهم ومحاولة السلطات المتعاقبة على الحكم في سوريا طمس ثقافتهم عبر تغيير أسماء بلداتهم ومدنهم وحتى أشخاصهم باستبدالها بأسماء عربية، وحرمانهم من تعلم لغتهم.

وقد أسس الأكراد عددا من الأحزاب السياسية من أهمها الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي تأسس عام 1957 والحزب الديمقراطي اليساري الكردي الذي تأسس أواخر خمسينيات القرن الماضي، وكلاهما دعا في البداية إلى تحرير وتوحيد كل الأقاليم الكردية، قبل أن يعيدا النظر في خطابهما السياسي ويطالبا فقط بالمساواة السياسية والثقافية.

وعلى الرغم من تعدد وتنوع الأحزاب الكردية حيث وصلت الآن إلى أكثر من عشرة أحزاب فإنها جميعا لا زالت في دائرة الحظر والمنع بحكم عدم وجود قانون للأحزاب في سوريا، مما جعلها تضطر لممارسة نشاطاتها في السر.

اضطرابات 2004
ومع تولي الرئيس الحالي بشار الأسد مقاليد السلطة عام 2000 تجددت آمال الأكراد بحل أزمتهم، وبدأت الأحزاب والقوى الكردية تنشط في تقديم مطالبها المتعلقة بالمساواة في الحقوق السياسية والثقافية، وأبدت الحكومة الجديدة ليونة في التعاطي مع الفعاليات والنشاطات الكردية بما فيها تلك المنظمة من قبل بعض الأحزاب غير المصرح لها بالعمل.

لكن الأمور تغيرت عام 2004 بعد أسوأ اضطرابات شهدتها المناطق الكردية بعد مباراة كرة قدم بمدينة القامشلي في مارس/ آذار 2004، حيث اندلعت مواجهات عنيفة بين الأكراد وبعض العشائر العربية سرعان ما تدخلت فيها قوات الأمن وامتدت لبقية المدن الكردية واستمرت ستة أيام.

وكانت حصيلة المواجهات أربعين قتيلا وفق مصادر كردية، و25 قتيلا وفق حصيلة رسمية سورية، ومئات الجرحى، ونحو ألفي معتقل كردي وفق مصادر الأكراد.

ولا تطالب الأحزاب والمجموعات الكردية الوقت الحالي بالانفصال عن سوريا، بل أقصى ما تصل إليه المطالب الكردية هو الحصول على حكم ذاتي للأقاليم التي يشكلون أغلبية السكان فيها، كما تطالب تلك القوى بالمساواة السياسية، وإلغاء القوانين الاستثنائية ومن أهمها قانون الطوارئ.

وعود
ومنذ عام 2005 أطلقت الجهات الرسمية في سوريا سلسلة من التعهدات والوعود بحل مشكلة الأكراد غير المجنسين الذي تضاعف عددهم الفترات الأخيرة.

وقرر حزب البعث في يونيو/ حزيران 2005 إعادة فتح ملف الأكراد غير المجنسين، كما تحدث الرئيس الأسد عام 2007 عن حرص حكومي على تسوية مشكلة الأكراد، لكنه حذر من وجود من يستغل وجود أكراد عراقيين وأتراك نزحوا إلى سوريا ولا تشملهم تبعات الإحصاء ويطالب بتجنيسهم ويثير قضيتهم عبر قنوات أوروبية لتضغط على سوريا.

وبعد الاحتجاجات والمظاهرات التي عمت عددا من المدن السورية الأيام الماضية للمطالبة بالحرية والديمقراطية وبالإصلاح السياسي والاجتماعي، أعلن الأسد عن تشكيل لجنة لدراسة تنفيذ توصية بحل مشكلة إحصاء عام 1962 بمحافظة الحسكة" على أن تقدم اللجنة توصياتها قبل الخامس عشر من أبريل/ نيسان الجاري.

المصدر : الجزيرة