القضاة رفضوا الإبقاء على المجلس الأعلى للقضاة المنصّب من قبل بن علي (الجزيرة نت)

خميس بن بريك-تونس

وجّه قضاة في تونس انتقادات لاذعة إلى وزارة العدل بسبب إبقائها على نشاط المجلس الأعلى للقضاة بعد سقوط النظام السابق، رغم أنه كان "منصّبا" من قبل الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي الذي كان يترأسه بنفسه.

وشنّت جمعية القضاة التونسيين -في الآونة الأخيرة- سلسلة من الاحتجاجات للمطالبة بحلّ هذا المجلس والإسراع في انتخاب مجلس للعدالة الانتقالية، وهو ما يعزز الاستقلالية تجاه السلطة التنفيذية.

لكنّ مطلبهم لم يحظ بالقبول من وزارة العدل التي عبّرت عن استنكارها من تصريحات بعض القضاة، وهو ما جعل الأزمة تتعمق أكثر بين الطرفين في وقت تحتاج فيه البلاد إلى قضاء مستقل وعادل.

وقال رئيس جمعية القضاة التونسيين القاضي أحمد الرحموني إن الوزارة رفضت الاستجابة لمطالبهم بحلّ المجلس الأعلى للقضاء، معتبرا أنّ الإبقاء على المجلس "مناقض لأي مشروعية".

وأوضح للجزيرة نت أنّ المجلس هو مؤسسة دستورية "كان من المفروض حلّها" بعد إعلان الرئيس المؤقت فؤاد المبزع في فبراير/شباط الماضي إلغاء الدستور القديم، بعد سقوط النظام.

الرحموني: استغرب سرعة إحياء المجلس بتركيبته غير الشرعية (الجزيرة نت)
استغراب
وعبّر الرحموني عن استغرابه من اجتماع المجلس "بسرعة" للنظر في مسألة رفع الحصانة عن القاضي فرحات الراجحي، وزير الداخلية السابق، إثر تصريحاته الأخيرة المثيرة للجدل تجاه الجيش والحكومة.

وقال "لقد استغربنا سرعة إحياء هذا المجلس بتركيبته غير الشرعية كي يقرّر نزع الحصانة عن الراجحي"، مشيرا إلى أنّ المجلس اجتمع تحت إشراف وزير العدل، في إشارة إلى هيمنة السلطة عليه.

ويؤكد مراقبون أنّ المجلس الأعلى للقضاء كان في عهد الرئيس المخلوع جهازا تابعا للسلطة التنفيذية. وكان زين العابدين بن علي يترأسه ويعيّن أغلبية أعضائه، فيما كانت وزارة العدل تديره.

وكان المجلس طبقا للقانون الأساسي للقضاة المسؤول الأول عن تعيين وترقية ونقل وتأديب القضاة، وكانت السلطة متهمة باستخدامه أداة لردع القضاة المعارضين واستمالة البقية إلى صفها.

وسعيا إلى القطع مع الماضي، يقوم عدد كبير من القضاة بممارسة ضغوطهم على وزارة العدل من أجل تنقيح القانون الأساسي والذهاب باتجاه مجلس انتقالي للعدالة يتمتع بالاستقلالية والحياد.

الماجري طالب بحل المجلس لأن أغلب قضاته موالون للنظام السابق (الجزيرة نت)
مجلس انتقالي
وفي هذا السياق، قال محمد الماجري القاضي بمحكمة الاستئناف في ولاية مدنين إن القضاة مصرون على انتخاب مجلس انتقالي للعدالة وحلّ المجلس الحالي لأنّ تركيبته تضمّ في أغلبها قضاة موالين للنظام السابق.

وأضاف للجزيرة نت "من المفارقات أنّ المجلس الأعلى للقضاة الذي قام بتشريد زملائنا وخصم أجور البعض، ومارس سياسة التجويع على البعض الآخر ما زال قائما بعد الثورة، هذا مؤسف للغاية".

واشتكت في السابق قاضيات -مثل القاضية كلثوم كنو ونورة حمدي ووسيلة الكعبي وغيرهن- من النقل التعسفي من أماكن عملهن الأصلية وخصم أجورهن بسبب مواقفهن المعارضة للسلطة.

وفسّر القاضي الماجري عدم استجابة وزارة العدل لمطالب جمعية القضاة التونسيين بحلّ المجلس الأعلى للقضاة "بعدم رغبة السلطة القائمة في منح الاستقلالية للقضاء".

ويوافقه في الرأي محمد الخليفي القاضي بمحكمة الاستئناف في قفصة، معتبرا أنّ تمسك وزارة العدل "بإرث بن علي" -في إشارة للمجلس الأعلى للقضاة- "دليل واضح على تآمر السلطة على القضاء".

وقال الخليفي للجزيرة نت إن وزير العدل لم يقم بأي إصلاحات أو تطهير للمنظومة القضائية، رغم وجود بقايا مسؤولين متورطين في منظومة الفساد، سواء داخل الوزارة أو في سلك القضاء.

وأضاف أن هناك "إشارات قوية تدل على أنّ السلطة ليست لديها أي إرادة سياسية من أجل تطهير وزارة العدل ومنح استقلالية القضاء، بسبب الخوف من المحاسبة ولحماية بقايا رموز الفساد".

المصدر : الجزيرة