غلاف رواية "الأمريكان في بيتي" للعراقي نزار عبد الستار (الجزيرة نت)
علاء يوسف-بغداد
 
في روايته "الأمريكان في بيتي" يعالج الروائي العراقي نزار عبد الستار موضوع الوجود الأميركي في العراق وداخل بيوت العراقيين من زاوية جديدة، فالأمر يختلف في الرواية عن ما اعتاد العراقيون عليه، من طبيعة التواجد التقليدي للجنود الأميركيين في بيوتهم منذ عام 2003 حتى انسحابهم أواخر عام 2011.

فهذه المرة لم يكن تواجد الجنود في بيت الصحفي العراقي جلال -بطل الرواية- في مدينة الموصل بهدف تفتيش المنزل واعتقال صاحبه، أو الاعتداء على النساء والأطفال وعزلهم في غرفة منفردة، كما هو معتاد في عمليات الدهم والتفتيش لبيوت العراقيين، إنهم في أحد البيوت لكن المهمة مختلفة.

يلتقط  نزار عبد الستار فكرة مغايرة في روايته "الأمريكان في بيتي"، التي صدرت في سياق الأدب العراقي الذي يؤرخ لحقبة الاحتلال الأميركي، فالأميركيون يختارون بيته ليرصدوا حركة المسلحين في أحد أحياء مدينة الموصل، وقد اعتادوا تنفيذ عملياتهم بعد منتصف الليل، بهدوء، فلا تفجير لأبواب البيت، كما يحصل في غالبية عمليات الدهم التي تتعرض لها بيوت العراقيين.

يطرقون الباب ويدخلون الدار ليصعدوا إلى الطبقة العليا منه، حاملين مناظير ليلية وأسلحة ومعدات داخل أكياس لا يعرفها جلال، لكن ذلك لا يعني أن زوجته وأطفاله لا يصيبهم الرعب والهلع الذي يصيب أي عائلة تدهمها القوات الأميركية.

يعرض  نزار عبد الستار في روايته لشخصيتين متناقضتين في موقفيهما من الاحتلال الأميركي للعراق

خوف وهواجس
الخوف هنا، كما يعرضه الروائي، يأتي من أكثر من باب ونافذة، فتكرار حضور هذه الدورية، التي تنصبُ شراكا للمسلحين، الذين يوجهون ضربات موجعة للقوات الأميركية في الموصل، كما هو الحال في الكثير من المدن العراقية، قد يدفع بالمسلحين لمهاجمة هذه القوات، رغم أنه من النادر أن يتم استهداف الدوريات الأميركية داخل الأحياء السكنية، طالما يوجد مدنيون.

هناك هواجس أخرى تسيطر على جلال وزوجته، فقد يتهمهم بعض المسلحين بتقديم العون لهذه القوات، وهذا يضعهم على قائمة "الجواسيس" الذين تتم تصفيتهم في أغلب الأحيان، بعد تحذيرهم عدة مرات.

يعرض الروائي لشخصيتين متناقضتين في موقفيهما من الاحتلال الأميركي للعراق، فبطل الرواية جلال يمقت هذه القوات، في حين يتعامل شقيق زوجته حنان مع تلك القوات بإرادته و"حسن -شقيق زوجته- يضع عطرا روحانيا للإيحاء بالالتزام الديني مثل معظم تجار المدينة الجدد. كوّن في خريف عام 2003 ثروة من عقد صفقات لتجهيز الجيش الأميركي بأجهزة الكمبيوتر بالاشتراك مع ابن خالته الذي يحمل الجنسية الأميركية".

يحاول حسن جر جلال إلى الطريق الذي يسير فيه، وغالبا ما يحضر إلى بيت جلال بعد معرفته بحصول عملية الدهم، التي تجعل أخته وأطفالها يعيشون برعب لعدة ساعات أثناء الليل، لكن محاولاته تبوء بالفشل، وبعد عدة محاولات ينجح في إقناعه بأخذ أُخته وأطفالها إلى بيت أهله.

يحلم جلال بمستقبل أفضل للعراق، وهو مؤمن بعمقه الحضاري وبالبعد الجمالي فيه وبقدرته على مقارعة المحتل الذي يمثل حضارة قوية قائمة، ولذلك لا تقتصر الرواية على تصوير واقع العراق القاتم حيث الخراب، الاقتصاد المدمر والأمل المعتم، بل تستحضر تاريخ العراق القديم بكنوزه التراثية وآثاره وحتى القريب بمظاهر التمدن على الصعيد الثقافي والفني وقدرة ذلك على تعزيز المقاومة والنهوض.

وعبر انتمائه لمنظمة سرية تدعى" الدومينكوس"، يسعى جلال لاستتنهاض تلك المظاهر بالعمل على إعادة الحياة إلى آثار العراق وفنونه وموسيقاه وتراثه السينمائي لتنهض "روح العراق" وترفع التحدي بمعناه الحضاري والثقافي في وجه المحتل، كما في وجه دعاوى "التحريم" المتنامية في بلاد الرافدين.

يتفرغ الصحفي جلال إلى عمله، حيث يواصل تزويد صحيفة تصدر بالعاصمة بالتقارير اليومية التي تتابع أخبار الهجمات على القوات الأميركية وأعمال العنف الكثيرة التي تشهدها المدينة، ويعرض المؤلف في أحد تقاريره الصحفية لحادث عراك بين طالب في جامعة الموصل وأحد الجنود الأميركيين حين "هجم على الجندي الذي فقد توازنه بسرعة، طرحه أرضا وصعد على بطنه وراح يوجه له اللكمات على مرأى من دهشة السابلة".

يعرض الروائي لجهود الصحفي جلال ومجموعة من زملائه، التي بذلوها مع الجنرال بترايوس وقادة عسكريين آخرين لإعادة الكثير من الوثائق والمخطوطات، التي نهبتها القوات الأميركية

شخصيات ووقائع
وفي تكملة للمشهد يقارن الروائي بين شجاعة الطالب العراقي، الذي وجه لكمات عنيفة للجندي الأميركي حتى نزف أنفه وردود فعل الناس والشرطة العراقية التي وصلت المكان، حيث سارع الضابط إلى إصدار الأوامر باعتقال الطالب "ربطوا ذراعيه من الخلف واقتادوه إلى سيارة مكشوفة وقاموا بإسعاف الجندي الأميركي، تعالت صيحات المتجمهرين. عندها تمكن الطالب المقيد بين شرطيين من النهوض منتشيا بالتصفيق، فأطلقت إحدى الطالبات زغرودة أشعلت الشارع بالهتافات".

يسرد الروائي الكثير من الوقائع والأحداث التي شهدتها مدينة الموصل عندما كان قائد القوات الأميركية هناك الجنرال ديفد بترايوس قائد الفرقة 101، قبل أن يتولى قيادة القوات الأميركية في العراق، ومن ثم رئيسا للاستخبارات الأميركية حتى انتهى به المطاف إلى الاستقالة مؤخرا.

يعرض الروائي لجهود الصحفي جلال ومجموعة من زملائه، التي بذلوها مع الجنرال بترايوس وقادة عسكريين آخرين لإعادة الكثير من الوثائق والمخطوطات، التي نهبتها القوات الأميركية من الموصل، من بينها وثائق عبرية وأخرى تتحدث عن حقب مختلفة من تاريخ العراق.

لم يضع الروائي نزار عبد الستار نهاية زمنية لأحداث روايته، وأبقى الأبواب مفتوحة، ربما يتناول جوانب أخرى من يوميات مدينته -الموصل- تحت الاحتلال في أعمال روائية أخرى.

المصدر : الجزيرة