الهادي ثابت يتصفح روايته الجديدة "معبد تانيت" (الجزيرة)
كمال الرياحي-تونس
 
يعد الكاتب الهادي ثابت واحدا من أهم الروائيين التونسين المعاصرين، الذين قدموا إضافة نوعية للسرد التونسي، رغم اقتحامه المتأخر الكتابة الروائية، ليكتسب طريقا بكرا ويفتح بابا جديدا في عالم السرد هو أدب الخيال العلمي.

فاجأ ثابت المشهد الثقافي التونسي سنة 1999 بروايته "غار الجن"، أعقبها برواية "جبل عليين". وحملت الروايتان علامة أجناسية طارئة هي "رواية في الخيال العلمي"، ليبدأ مشروع روائي جديد يتشكل على هامش الرواية الكلاسيكية الواقعية والاجتماعية والسياسية.

غير أن الهادي ثابت نشر بعد ذلك روايته "القرنفل لا ينبت في الصحراء" لتحصل على جائزة الكومار الذهبي -المرموقة في تونس- وكان من شأن نجاح هذه الرواية أن يجهض تجربة الكتابة في الخيال العلمي بالنسبة له، لكن إصراره على مشروعه الرئيس وولعه بأدب الخيال العلمي جعله يعود إلى الساحة بروايته "لو عاد حنبعل"، ولم تكن روايته السياسية "الاغتصاب" لتثنيه أيضا عن مشروعه، فعاد من جديد إلى حقله المحبب بروايته "معبد تانيت"؟

بدأت كتابة أدب الخيال العلمي وفي ذهني مشروع مجتمع مستقبلي يكون فيه الإنسان قد تخلّص من معوقات إنسانيته

خيارات جديدة
كسر ثابت بأعماله كل الانتظارات، فأستاذ الأدب الفرنسي المتخرج من كليات فرنسا ورجل جيل الستينيات والسبعينيات بكل ثقله الفرنكوفوني يختار العربية لغة لرواياته. كان بإمكانه أن يكتب بسهوله بالفرنسية، ولكنه سلك الطريق الأصعب، خاصة إذا ما استحضرنا أزمة تلقي النوع الأدبي الذي اختاره وهو الخيال العلمي في تونس.

والمتأمل في حياة الهادي ثابت، الذي تحرر يوما من العمل السياسي الذي انخرط فيه سنوات وفضل الخيار الثقافي، لا يمكنه أن يستغرب هذه المغامرة التي آمن بها في ظل انحسار إمكانية النشر أمامه كسياسي قديم وروائي جديد، ورغم أنه لم يتمكن من نشر روايته "الإغتصاب"، التي كتبها بداية الثمانينيات إلا في آخر التسعينيات، فإنه ظل يقاوم غول الرقابة على الكتب والمصنفات وخرج عليها بأدب الخيال العلمي كاسرا أفق انتظارها بثقافة جديدة، تبدو في ظاهرها ترفا فكريا، ولكن في باطنها تقدم نقدا صارخا للمجتمع التونسي والعربي، وتفضح ميكانيزمات اشتغال آفة التخلف والرجعية والأمية التي تنخر جسده.

واهتم الهادي ثابت في مشروعه الأدبي اليوم بكتابة تاريخ تونس القرطاجي، فعاد بعد حرب الخليج الثانية إلى شخصية حنبعل في روايته "لو عاد حنبعل"، وأعاد بعث القائد العظيم ليكتب تاريخ قرطاج من ناحية ويكتب واقع الأمة العربية من ناحية ثانية، فقارب الراهن العربي وفكك الفكر الغربي وحركة الإمبريالية العالمية من خلال عملية استنساخ القائد القرطاجي وإعادة بعثه إلى الحياة.

ويعتبر ثابت أنه حاول أن يطرق أمرين في هذه الرواية: أوّلا مقارنة نظامين إمبرياليين قرطاج وروما. الأول بنى هيمنته على التجارة دون اللجوء إلى الهيمنة العسكرية، والثاني اعتمد القوة العسكرية لفرض هيمنته على الآخر. ومع الأسف أطاح الثاني بالأول وطغت على البشرية حضارة الحرب والهيمنة.

وثانيا: التنبيه إلى أن الإمبريالية الأميركية اليوم تعود لفرض نظام على العالم يشبه ما فعلته روما قبل أكثر من ألفي سنة، ولذا يجب أن نكون مثل حنبعل ونوقف هذه الهيمنة الإمبريالية لكي لا تعيد عقارب الساعة إلى ألفي سنة إلى الوراء".

يقتحم ثابت عالم الخيال العلمي ليقول الواقع السياسي، فكتاباته تحاول أن تنقد الواقع وتفكك معضلاته وكشف عمق بشاعة المسكوت عنه فيه من خلال أدب الخيال العلمي

الخيال السياسي
وبالعودة إلى أدبيات ''الخيال العلمي'' تأكد لنا وجود هذا الضرب من الأدب المسمى بـ''أدب الخيال السياسي''، وهو أدب كان سليل أدب الخيال العلمي، ثم استقل بذاته، وقد أفرد له الكاتب محمود قاسم فصلا كاملا في كتابه ''الخيال العلمي أدب القرن العشرين''. ومن توقعات هذا الأدب ''سيادة العنف السياسي'' و''انهيار حضارة الغرب الحديثة'' و''انهيار الشيوعية''.

ويقول قاسم: ''هناك موضوعات أخرى يعرفها أدب الخيال السياسي مثل سيادة أيديولوجية معينة، أو سيطرة العنف السياسي على شكل العلاقات الاجتماعية, أو التطرف الديني، أو سيادة عصر الدكتاتورية، أو سيادة جنس بشري آخر يقارب نوع الإنسان في التطور مثل القردة أو رجل الغابات''. وباستثناء هذا الموضوع الأخير فإن الاحتمالات الأخرى كلها واقعية أو ممكنة الوقوع، فنحن نعيش اليوم عصر الدكتاتوريات الجديدة وسيطرة الأيديولوجيات.

وهنا نذكر رواية جورج أوريل (1984) التي تنبأ فيها بسيطرة قوى كبرى يعيش فيها الإنسان في حالة استيلاب، إلى مجرد رقم خاضع لرقابة دائمة في دولة "الأخ الأكبر" الشمولية، وصف أورويل في روايته العالم وقد استحال إلى كابوس يسود فيه التجسس كل الأمكنة.

وضمن هذه الخانة يمكن أن نقحم جزءا من العالم الروائي للهادي ثابت، الذي يقتحم عالم الخيال العلمي ليقول الواقع السياسي، فكتاباته تحاول أن تنقد الواقع وتفكك معضلاته وكشف عمق بشاعة المسكوت عنه فيه، ويتحدث الكاتب عن كون مشروعه الأدبي يحركه مشروع مجتمعي فيقول: "بدأت كتابة أدب الخيال العلمي وفي ذهني مشروع مجتمع مستقبلي يكون فيه الإنسان قد تخلّص من معوقات إنسانيته: العنف بكل أشكاله، عبادة الأنا بكل عاهاتها، الهيمنة بكل مظاهرها، الخوف بكل أبعاده...".

ويظهر هذا الطرح في روايتيه "غار الجن" و"جبل عليين"، حيث تدور الأحداث بين الأرض وقانماد، فيبدو الشكل العام في التخييل العلمي من خلال الكائنات الفضائية والكواكب والغرائب والعجائب ولكن الأفكار كانت مجتمعية بشرية وأرضية تعالج آفات العنف والحرب والفقر والتمييز العنصري.

المصدر : الجزيرة