لا تزال وسائل الإعلام التقليدية لا تأخذ أخبار الإعلام الجماهيري على محمل الجد (غيتي) 

نشرت صحيفة الغارديان البريطانية مقالا لأليكس كروتوسكي حول أثر الإنترنت على مهنة الصحافة التقليدية.

تقول كروتوسكي –الحائزة على دكتوراه في العلاقات الاجتماعية على الإنترنت- إن بيتر بومون، محرر الغارديان للشؤون الدولية اكتشف شيئا جديدا بعد أحداث مصر وتونس.

بومون الذي كان صحفيا قبل الشبكة العنكبوتية الدولية (الإنترنت) أصبح مثل باقي زملائه يعتمد اعتمادا كليا على التقنية الحديثة في عمله. وكان يغطي الأحداث في القاهرة عندما قطعت السلطات المصرية الإنترنت في مصر، وقد أجبره ذلك على العودة إلى الأصول الأولى لمهنته.

وتنقل كروتوسكي عن بومون: "(في القاهرة) عدنا إلى ما كنا نقوم به في السابق: كتابة القصة ثم الانتقال إلى مركز رجال الأعمال وطباعتها ثم إملاؤها عبر الهاتف. لم نعر أهمية لما كان على شبكة الإنترنت، كان همنّا الأول هو نقل ما نرى. كان شيئا يبعث على الارتياح."

طابع ثوري

الإنترنت كسر احتكار الإعلام والحكومات لنقل الأخبار والمعلومات (رويترز)
يعتبر تأثير الشبكة العالمية على نقل الأخبار أعظم وأوضح دليل على الطابع الثوري لهذه التكنولوجيا. محررو الأخبار -في بعض الحالات حتى الحكومات التي يراقبونها ويروون أخبارها- لم يعودوا المصدر الوحيد للمعلومات، لأن تكلفة نشر الخبر قد اختفت تقريبا. وإذا كانت المعرفة هي القوة، فإن الإنترنت هو أعظم أداة في تاريخ العالم.

وتقول كروتوسكي إن التغيير الذي جلبه الإنترنت يمتد أيضا إلى الإجراءات التي تتخذ عادة قبل نشر أي قصة، حيث أصبح الإنترنت هو المجال الذي يستقي منه كاتب القصة الآراء والتحاليل حول الموضوع الذي يتناوله قبل كتابة قصته، وبالتالي فإن القصص الإخبارية أصبحت تأتي من الإنترنت. 

وتعلق أميلي بيل، وهي مديرة مركز تو للصحافة الرقمية في جامعة كولومبيا ومحررة سابقة في الغارديان بالقول إن تغطية الهجمات على مركز التجارة العالمي في 11 سبتمبر 2001 كانت النقطة التي انطلقت منها النشاطات الإخبارية على الإنترنت اليوم.

هجمات سبتمبر
تقول بيل: "التلفزيون التقليدي لم يستطع أن ينقل الحدث. استخدم الناس الإنترنت ومشاهداتهم الحية على شاشة التلفزيون، ثم قاموا بعد ذلك بنشر ملاحظاتهم في غرف الدردشة والمنتديات. نشروا معلومات كانوا يعرفونها هم أنفسهم وأرفقوها بمعلومات من مصادر أخرى (على الإنترنت). معظم المعلومات كانت على شكل خام، ولكن نقل الأحداث والتواصل والنزعة للمشاركة في المعلومات والتغطية الإخبارية كلها بدأت منذ تلك اللحظة."

بالنسبة للصحفيين في مصر، لم يكن قطع الاتصال عبر الإنترنت وحرمانهم من الاطلاع على المعلومات المتوفرة على الشبكة هو أكثر ما أحبطهم، بل عدم تمكنهم من إرسال تقاريرهم، التي يرسلونها عادة عبر الإنترنت.

"
شهود العيان لا يرون المشهد بأكمله. الناس غير مؤهلين لربط ما يروه بالمشهد الكبير للأحداث. هم بالفطرة يرون ما يريدون أن يروه. إذا اعتمدنا على الفيسبوك وتويتر حصرا، فربما سننتهي إلى المجهول
إيف يوديس
"
بوجه عام، لقد ساهمت التكنولوجيا في تحسين طريقة انتقاء المواضيع التي تستحق التغطية الإخبارية. النصوص التي يجري نشرها على خدمات الشبكات الاجتماعية مثل الفيسبوك وتويتر، توفر نظرة أولية للأحداث في أنحاء العالم من وجهة نظر شهود العيان مباشرة. كما أن المدونات تعتبر مصادر أخبار تأتي مباشرة من المواطنين العاديين وتعرض وجهات نظر تحليلية من أرض الحدث بطريقة أسرع من الصحافة المطبوعة أو التلفزيون.

لمن السبق؟
ومع ذلك، فإن تلك الأدوات –تقول كروتوسكي- لا تزال عنصرا واحدا فقط من عملية جمع الأخبار، ودائما ما تظهر المؤسسات الإعلامية الكبرى بمظهر من كشف الخبر، رغم أنه ظهر على تويتر قبل أيام عديدة.

يقول الصحفي إيف يوديس من صحيفة لوموند الفرنسية: "شهود العيان لا يرون المشهد بأكمله. الناس غير مؤهلين لربط ما يروه بالمشهد الكبير للأحداث. هم بالفطرة يرون ما يريدون أن يروه. إذا اعتمدنا على الفيسبوك وتويتر حصرا، فربما سننتهي إلى المجهول".

في الواقع، في عام 2009 وجدت شبكات التلفزة الأميركية نفسها في موقف لا تحسد عليه فيما يتعلق بالضابط الأميركي من أصل عربي نضال حسن الذي فتح النار على زملائه في قاعدة فورت هود للجيش الأميركي، حيث تبنت وسائل التلفزة الأميركية ما نشر على تويتر من أن حسن لديه صلات مع منظمات إرهابية ثم تبين عدم صحة ذلك.

إن تحفظات يوديس لا تعني أنه لا يعرف قيمة ما توفره الإنترنت وجيش المواطنين الصحفيين الذي توفره، فصحيفته لوموند كانت هي والغارديان من الصحف التي تعاونت مع مؤسس موقع ويكيليكس جوليان أسانج لنشر وثائق الموقع المسربة العام الماضي.

يقول يوديس: "فجأة وجدنا أنفسنا أمام كل أولئك المنافسين الجدد، الذين لو قاموا بتنظيم أنفسهم فستنقلب موازين تقديم الأخبار بطريقة لم يمكن أن تخطر على بال قبل اختراع الإنترنت".

ولا تزال الصحف تتجاهل مصادر الأخبار الجماهيرية مثل غلوبال فويسيس (أصوات من العالم) التي هي عبارة عن شبكة من الصحفيين يقدمون نظرة على الأحداث من جميع أنحاء العالم.

الصحافة قبل الإنترنت
ويعتقد يوديس أن أساسيات جمع الأخبار لم يتم تقديمها للعالم على شبكة الإنترنت.

يقول يوديس: "علي أن أكون على دراية بالكتابة، والتقاط الصور وأن أمتلك نظرة تحليلية. إن تعلم كيفية استخدام أدوات الإنترنت تختلف عن أن يكون المرء مراسلا. يمكن لأي شخص أن يصنع الخبز، ولكن أعط الخبز للخباز. يحتاج المرء لأن يقضي بعض الوقت من عمره ليتعلم كيف يكون خبازا محترفا، قبل أن يتمكن من صنع خبز مناسب".

جزء من عملية تعلم الصحافة، هو ترك الإنترنت والنزول إلى حيث تصنع الأخبار على الأرض. بالنسبة لبومون، كان وجوده في ميدان التحرير دون الوصول إلى شبكة الإنترنت بمثابة رسالة تذكير لنموذج أنقى من الصحافة.

يعلق بومون قائلا: "ننسى أن الإنترنت رغم مزاياه، هو مصدر تشتيت. كنت أتساءل دائما عن كون ما أقرؤه على الإنترنت من قبل الآخرين يطابق ما كنت أشهده بنفسي. تخلصت من ذلك القلق وركزت على تقديم تقارير رصد صرفة تعبر عن ما أرى فقط، وهذا كان من دواعي سروري".

وتختتم كروتسكي مقالها بالقول: إن ذلك السرور لن يتحقق إلا إذا فصلنا الإنترنت ونزلنا إلى الشارع.

المصدر : غارديان