أصدر الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي المقيم في القاهرة ديوانا شعريا جديدا حمل عنوان (زهر الرمان). ومن أبرز قصائد هذا الديوان قصيدة (ليلة لا تشبه الليل) التي أعادت إلى الأذهان صورة الطفل الفلسطيني محمد الدرة وهو يقتل برصاص الجنود الإسرائيليين أثناء الانتفاضة الفلسطينية المندلعة ضد الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وقال الشاعر الفلسطيني إن أبرز قصائد الديوان تبني صورة طفل يغادر قبره ليلا راغبا في أن يعود إلى سريره الصغير المألوف وأن يطل على أهله ليطمئن على أحوالهم. ويستيقظ أهل البيت لاستقباله, مضيفا أن القارئ يبقى يجهل "هل هذا هو خيال الأهل أم خيال الولد". إن الصمت هو بطل هذه القصيدة وهي قصيدة تصف فداحة مصرع الإنسان المظلوم في الكون ولا تقتصر على قصة الطفل الفلسطيني.

قصائد (زهر الرمان) الـ 13 في ديوان البرغوثي الجديد الصادر عن دار الآداب في بيروت يسري فيها تيار متواصل من الحزن والعزلة, وصفه أحد النقاد بالطيور التي "غادرت هكذا ليل أقفاصها, كلما خبطت في جهات الهواء, أبصرت حولها قفصا باتساع السماء".

ويشيع شعور الحاضر الغائب في قصيدة (غرفة مؤقتة) حيث يقول البرغوثي متوحدا مع الأسير العائد:

سأترك غيابي
هكذا
على هيأته,
المتروك الراضي بعزلته
قال:
هنا في غرفة
آويت إليها وراء الأقاصي
لم يتركوني.

الدبابات الإسرائيلية تجوب شوارع رام الله (أرشيف)
ويصور الشاعر في قصيدة (كان واضحا) لحظة عودة الأسير القادم من السكوت الضيق, والأنين الانفرادي على أنه لحظة ألم وأمل تتداعى فيها الفوارق بين الصفعة والقبلة, عودة وجلة لأنه يدرك وبكل وضوح أنه في الجانب الموجع من التاريخ. ويحمل البرغوثي صندوقه على ظهره ويسير متشبثا به ومتحاملا على انهياره حتى الموت, في قصيدة بعنوان (الصندوق) يقول فيها:

ضعه لو برهة جانبا,
دحرجه على التل,
دع غيرك يحمله,
تتلازمان حتى الحفرة الأخيرة.

أما محبوبته الأسطورية (هيرا) فهي:

جارفة كاسحة,
جسدها ذنوب تلح لكي ترتكب,
غيور ماكرة تحير العرافين والكهنة,
عيناها إذا شاءت,
بحر للمعاصي,
وأنينها القصير زقاق يفضي إلى القيامة,
وحين تكون مع مليكها تموت دائما في اللحظة المناسبة,
تموت عند الضرورة فقط,
عندما تصعد أغنية رضاها,
من مخدتها المضغوطة,
إلى سقف العالم.

وعن (هيرا) يقول البرغوثي إنها "ترسم صورة لامرأة أسطورية يجتمع في جسدها وروحها الجمال الباذخ والسطوة والمكر والدهاء والشهوة والقدرة على الحب العظيم. إنها تلخيص لقوة الحياة وتلخيص للنساء جميعا. إن سطوة الحياة في هذه المرأة ترد على سطوة الموت في قصائد أخرى في الديوان". الجدير بالذكر أن هيرا هي زوجة زيوس كبير آلهة الإغريق, غير أنها تحمل في ديوان البرغوثي دلالات تخص البشر, فهي موجودة داخلهم وتنتمي لهذا العالم.

هذه الأوصاف أشار إليها البرغوثي في قصيدتين ملحميتين هما (صلاة إلى زيوس) و(إلى أين تذهب في مثل ليل كهذا), وهما تضعان الموت الفلسطيني على الحافة بين الواقع والأسطورة. ومن هيرا يستمر البرغوثي في أجواء الأساطير الإغريقية حيث تحيلنا تفاصيل (صلاة إلى زيوس) إلى المشهد الفلسطيني الراهن.

شباب فلسطينيون يحاولون الاحتماء أثناء اشتباكات
مع القوات الإسرائيلية في مدينة رام الله (أرشيف)
وخروجا على المألوف لا يتضمن ديوان البرغوثي الجديد قصيدة بعنوان (زهر الرمان), بيد أن الشاعر يترك للقارئ أن يربط بين قصائد الديوان وما يوحي به زهر الرمان. ويبدأ ديوان البرغوثي بقصيدة (باتساع السماء) ويقول فيها:

هادئا
كالخزامى التي انغمرت بالرذاذ,
عائدا
من غروب زماني
إلى أوله,
عارما كاتصال المطر
بالمطر,
ساهما مثل طير يقيس اتساع القفص,
أرجعتني خطاي إلى منزل
كان لي.

ويضم مشوار البرغوثي الأدبي عشر مجموعات شعرية بدأها عام 1972 بديوانه (الطوفان وإعادة التكوين), وفيه يسرد حكاية سقوط بلدته رام الله بيد قوات الاحتلال الإسرائيلية في حرب عام 1967 حين كان يدرس بكلية الآداب بجامعة القاهرة.

وتمخضت هذه التجربة الأليمة والحبيبة إلى نفسه في آن واحد عن عمله النثري الوحيد (رأيت رام الله) الصادر عن دار الهلال بالقاهرة عام 1997 والحاصل على جائزة نجيب محفوظ للأدب. وفي العام نفسه ترجمت إلى الإنجليزية الروائية المقيمة في لندن أهداف سويف هذا العمل, وقدم له الكاتب والأستاذ الجامعي المقيم في الولايات المتحدة إدوارد سعيد.

رؤية البرغوثي لرام الله لم تثمر نثرا فقط بل أتت شعرا في ديوانه (الناس في ليلهم) الصادر عام 1998 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وقد حصل على جائزة فلسطين للشعر عام 2000.

المصدر : رويترز