د. مرتضى عبد اللطيف كريشان*

يعتقد الكثيرون أن تسوس الأسنان مشكلة لا تهدد الأطفال الصغار والرضع، ومنشأ هذا الاعتقاد هو ظنهم أنها ليست مهمة ومؤقتة في الفم، كما أن الاسم نفسه "أسنان لبنية " يخدع فيظن الأهل أنها لا تتأثر باللبن أو الحليب الذي يرضعه الطفل سواء عبر الرضاعة الطبيعية أو الاصطناعية، ولكن هذه التصورات خاطئة للغاية.

ويعرف تسوس الأسنان بأنه مرض معد مرتبط بالسكر، فهنالك ثلاثة عوامل يجب توافرها لحدوث التسوس، الأول هو البكتيريا التي تكون موجود في الفم وفوق أسطح الأسنان، فالبكتيريا هي التي تجعل تسوس الأسنان مرضا معديا لأن الطفل عندما يولد يكون فمه خاليا منها، ولكن تصل إليه الجراثيم من الأم عند أول قبلة، فالدراسات تؤكد أن معدل التسوس لدى الأطفال تزداد بازدياد معدلاتها لدى الأهل، ويرجع هذا إلى انتقال البكتيريا إليهم صباح مساء بالإضافة إلى توريثهم أبناءهم عادات غير صحية فيما يتعلق بنظافة الفم والأسنان.

العامل الثاني هو السكر أو الكربوهيدرات، فالبكتيريا تحتاج للسكريات لكي تتغذى وتتكاثر منتجة أحماضا قوية تقوم بالتغلغل في طبقات السن مسببة طرد أيونات الكالسيوم والفوسفات مما يضعف بنية السن ويؤدي إلى تكوين حفرة في المنطقة المتأثرة. أما العامل الثالث فهي السن نفسها، فلا تسوس من دون وجود أسنان في الفم! ولكن ذلك لا يعني أن يهمل الأهل العناية بنظافة فم الطفل قبل بزوغ أسنانه.

على الأهل تعليم الطفل كيف ينظف أسنانه ومتابعته في ذلك (الألمانية)

أثناء الرضاعة
أما تسوس الرضع فهو فقدان بنيان السن الناجم عن نوم الطفل أثناء الرضاعة، فالحليب يحتوي على سكر اللاكتوز الذي تهضمه البكتيريا مفرزة الأحماض التي تسبب حصول فجوات في الأسنان اللبنية، وعندما ينام الرضيع فإن لسانه يحجز آخر رشفة من الحليب ويبقيها في الفم، مما يعني نقع الأسنان بالحليب الغني بسكر اللاكتوز طوال فترة قد تمتد لساعات، وهذا يؤدي إلى حدوث التسوس في جميع الأسنان باستثناء الأسنان السفلية الأمامية، فوضعية اللسان تحميها من الحليب وتشكل أشبه ما يكون بمظلة واقية.

ومنذ اللحظة التي تبزغ فيها الأسنان اللبنية -على عمر ستة أشهر- يصبح الطفل معرضا لتسوس الرضع، وهو أمر يقتضي من الأهل اتباع أنماط صحية في تغذية الطفل والعناية به، ويؤدي الإهمال إلى عواقب وخيمة على صحة الطفل قد ترافقه لباقي عمره.

ويبدأ تسوس الرضع بالظهور كبقع بيضاء على الأسنان تصبح بنية في مرحلة لاحقة وتتحول إلى حفر في السن، وفي مراحل لاحقة قد يتأثر لب السن مما يستدعي علاجه -الذي سيكون صعبا بحكم صغر سن الطفل- أو خلع السن.

المضاعفات
تبقى الأسنان اللبنية في الفم حتى عمر العشر سنوات، وهي تقوم بعدة وظائف منها المضغ وتقطيع الطعام، ولذلك يلاحظ أن الأطفال الذين يعانون من التسوس يواجهون صعوبات في التغذية بسبب عدم قدرتهم عل تناول الطعام الناجم عن الآلام المرافقة للتسوس أو بسبب عدم قدرتهم على المضغ لأن الأسنان اللبنية مخلوعة.

كما تلعب الأسنان اللبنية دورا أساسيا في نطق الطفل وتكوين الأحرف، ومظهرها الجميل يعطي الطفل الثقة بالنفس التي قد يفتقدها إذا كان يعاني من التسوس، وقد تتأثر نفسية الطفل بعد الدخول في مجتمع المدرسة وتعرضه لسلوكيات السخرية من قبل الآخرين.

ويجب على الأم فهم أن التسوس مرض خطير يؤثر على حياة طفلها وصحته بشكل يمتد لباقي سنوات عمره، وهو مرض يمكن الوقاية منه من خلال اتباع الإرشادات التالية:

زيارة طبيب الأسنان عندما ينهي الطفل عامه الأول ضرورية (الألمانية)
  • على الأم أن تعتني بصحة فمها وأسنانها باستخدام الفرشاة ومعجون أسنان يحتوي الفلورايد بعد كل وجبة، واستعمال الخيط الطبي لتنظيف ما بين الأسنان مرة واحدة في اليوم، كما عليها زيارة طبيب الأسنان بشكل دوري وعلاج أي تسوس أو مشاكل في اللثة، إذ إن التسوس مرض معد وهذا يعني أن العناية بفم الأم والأب سيقلل من البكتيريا الموجودة وبالتالي سيخفض من احتمالية انتقال العدوى للأبناء وبدء حدوث التسوس على عمر مبكر.
     
  • تقليل التواصل المعدي مع الطفل كتقبيله من الزوار وإطعامه من قبلهم، كما يجب فصل أدوات طعام الطفل كرضّاعته وكوبه عن أدوات باقي الأسرة، وعدم استعمالها من قبل الآخرين، وهو أمر يجب أن يطبق على باقي أفراد الأسرة أيضا عبر تخصيص طبق خاص وكوب لكل فرد مما يقلل انتقال الأمراض بينهم سواء داء التسوس أو غيره.
  • بعد ولادة الطفل وقبل أن تبزغ أسنانه (أي من تاريخ الولادة حتى عمر ستة أشهر) يجب على الأم مسح لثة الطفل بقطعة قماش نظيفة مبللة بالماء، وذلك لإزالة بقايا الحليب ومنع البكتيريا من النمو والتكاثر في الفم.
  • خلال الستة أشهر الأولى يجب أن يقتصر غذاء الطفل على الحليب الطبيعي أو الاصطناعي المخصص للرضع، فلا يسمح بشرب العصير أو الشاي أو حتى الماء، ويرجع ذلك إلى عدم قدرة جسمه على تقبل الأغذية الأخرى وإلى صغر حجم المعدة التي إن امتلأت بالماء أو العصير سوف تسد شهية الطفل وتمنعه من شرب الحليب الذي يحتاجه لنموه وتطوره.
  • يمنع إرضاع الطفل وهو نائم، ففي حال الرضاعة الطبيعية يجب رفع الطفل عن ثدي الأم حال نومه ووضعه في سريره، أما إذا كان يتغذى من الرضاعة فيجب سحبها من فمه حال استغراقه في النوم.
  • إذا كان الطفل يواجه صعوبات في النوم دون الرضاعة فيمكن ملؤها بالماء الذي سبق غليه، وهذا لن يؤدي إلى التسوس لأن الماء لا يحتوي على سكريات.
  • يمنع غمس مصاصة (لهاية) الطفل في القطر أو العسل وإعطاؤها له، كما أن استعمال المصاصة بحد ذاته عادة مؤذية وقد تتسبب في تطور مشاكل تقويمية في الأسنان والإطباق (كحدوث عضة مفتوحة فلا يعود الطفل قادرا على إغلاق أسنانه الأمامية).
  • بعد بزوغ أولى أسنان الطفل اللبنية تبدأ الأم بتنظيف أسنانه باستعمال فرشاة صغيرة الحجم والماء فقط بمعدل مرتين إلى ثلاث مرات في اليوم، وذلك حتى يبلغ عمر السنتين.
  • يجب زيارة طبيب الأسنان عندما ينهي الطفل عامه الأول وذلك لفحصه وتحديد أي احتياجات خاصة أو عوامل قد تؤثر على صحة فمه وأسنانه.

    إذا كان الطفل يواجه صعوبات في النوم دون الرضاعة فيمكن سقيه الماء الذي سبق غليه، وهذا لن يؤدي إلى التسوس (الألمانية)
  • يجب تحديد كمية الحلويات التي يتناولها الطفل والتركيز على الأغذية الصحية كالخضار والفواكه.
  • عند عمر السنتين تبدأ الأم باستعمال معجون الأسنان عبر وضع كمية صغير بحجم حبة البازيلاء على الفرشاة، وتنظف أسنان الطفل مرتين يوميا، كما يجب التأكد من بصق الطفل للمعجون وعدم بلعه.
     
  • حال بزوغ عدة أسنان في فم الطفل يجب البدء باستعمال الخيط الطبي لتنظيف المناطق بينها، والتي لا تستطيع الفرشاة الوصول إليها.
  • يستمر الأهل في تنظيف أسنان الطفل بالفرشاة حتى يصبح قادرا على ذلك لوحده، وحتى بعدها يجب مراقبة الطفل أثناء ذلك والتأكد من بصقه للمعجون وعدم بلعه.

أطفالنا فلذات أكبادنا تمشي على الأرض، وهم بالتأكيد أكثر من ذلك، لذا فهم يستحقون منا العناية القصوى التي ستوفر عليهم الكثير من الألم وتحسن من نوعية حياتهم وتجعلهم فخورين بصحة أسنانهم وبنا.
------------------------
* أخصائي تقويم الأسنان والفكين

المصدر : الجزيرة