المعرض تتبع رؤية فنانين معاصرين لتاريخ الخط الحجازي (الجزيرة نت)

توفيق عابد-عمّان

تعددت وجهات نظر الفنانين المشاركين في معرض "لقد نسجنا الأرض بشباك من حديد" الذي افتتح في محطة للخط الحديدي الحجازي في بلدة الجيزة (40 كلم جنوب عمان)، وعالجت لوحاته موضوع الخط الحجازي الذي بناه السلطان العثماني عبد الحميد الثاني عام 1908 لنقل الحجاج من دمشق إلى مكة المكرمة.

فبعضهم يراه قد بني لخدمة طموحات السلطان العثماني السياسية آنذاك، لكن الناشط السياسي المهندس خالد رمضان رأى أنه ينسج لعلاقات إنسانية تؤسس لوحدة الأمة.

وأبرز عضو التجمع الفني في أنطاكية التركي محمد فهرشي تعسف الحدود وما تنتجه من عزل للغة والدين من خلال تركيب فني تحت عنوان "أفكر بك بالعربية ولكن أحبك بالتركية" يعبر عن صمود الثقافة التي توحي بأن اللغة مثل سكة الحديد ليست مطواعة لصرامة القومية.

واعتبر فهرشي أن الخط همزة وصل قطعوها ووضعوا عوضها حدودا فاصلة، وقال إنه يؤيد إزالة الحدود وكل ما رسخته اتفاقية سايكس بيكو التي وضعت عام 1916 بين بريطانيا وفرنسا إيذانا بتقسيم الوطن العربي بعد تهاوي الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى.

لوحة قصة عودة الفلسطينية (الجزيرة نت)
اكتشاف الفقد
أما الفنانان الفلسطينيان سمير حرب ونيكولا بيروجيني اللذان لم يستطيعا الحضور، فيستكشفان بتركيبات فنية ورسومات الآثار التي تسببها العناصر المعمارية في التواصل الجغرافي في فلسطين وفي عملهما "اكتشاف الفقد" الذي ضم مقاطع فيديو وكتابة ورسوما كاريكاتيرية حول الحدود التي رسمت إلى جانب سكة الحديد في قرية " بتير" الفلسطينية عبر الخط الأخضر لتعطي شعورا بثقل وجودها واستمراريتها، لكن الحقيقة كما يقول الفنانان وهمية وقابلة للتعديل بما يخدم المشروع الإسرائيلي.

يذكر هنا أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي نزعت قضبان الخط الحجازي المار بالضفة الغربية إلى حيفا واستخدمتها في بناء خط بارليف على الجبهة المصرية مما يشكل انتهاكا للاتفاقات الدولية التي تمنع القوة المحتلة من أي تغيير في جغرافية الأرض المحتلة.

هدف روحاني
أما الفنان السوري أيهم الآغا فتساءل عن الصدام بين الماضي والحاضر والأسطورة والواقع، واعتبر أنه لا يمكننا أن نكتشف الهدف من بناء السكة الحديدية التي كان لبنائها هدف روحاني يربط بين الصحراء ومكة، إلا عندما ندرك أن البناء توقف في المدينة المنورة حسب تعبيره.

وفي حديثه للجزيرة نت قال الآغا إنه لمس توق الشباب للوحدة وإزالة الحدود فالخط الحديدي الحجازي كان بداية توحيد سوريا الطبيعية وربطها بالحجاز منوها إلى أنه قدم في دمشق عرضا مسرحيا عنوانه "ضد" عن رواية فرنسية تحمل العنوان ذاته للكاتبة ليدي سلفيير يتحدث عن القمع واستخدام آلات وأبنية لإسكات الأصوات عن طريق الندم سواء أكان اجتماعيا أم أخلاقيا أم عبر التابوهات الثلاثة.

زائرتان تتفحصان إحدى اللوحات (الجزيرة نت)
من جهته تناول الفنان المكسيكي فرانسيس آليس الرغبة في العودة لمشاريع تأسست على أرضية خاطئة من وجهة نظره حيث لم يصل الخط الحجازي مكة كما أن الرجال الذين حلموا بإخضاع الآخرين عبر مشاريع "كولينيالية" – استعمارية- أصبحوا من الماضي، ومن ناحية أخرى ألمح آليس إلى أنه من الصعب التخلي عن الأحلام الكبيرة.

بدوره استخدم الفنان الأردني أنيس المعاني فولاذا مهملا من سكة الحديد لصناعة نصب تذكاري ومقبرة وملعبا لكرة القدم ومنحوتات حيث استبدل وسيط بالدافع الاستعماري "الفاتح" الحرفة والمرح.

تكسير الحدود
أما الناشط السياسي المهندس خالد رمضان فقال إن المعرض يشكل حثا للناس على التفكير في الماضي الذي لن نقف أمامه بشكل مكثف خاصة تدمير الخط الحديدي الحجازي الذي كان ينسج علاقات إنسانية تؤسس لوحدة الأمة لذلك فالسؤال الكبير هو: هل كان مقصودا ما قام به الضابط البريطاني الذي عرف بـ"لورنس العرب" عندما دفع قبائل عربية لتفجير الخط في مناطق مختلفة؟ وهل كان مستهدفا وحدة الأمة وإتاحة المجال لما أسماه حكم الدويلات ليؤسس لحكومة دكتاتورية؟

وقال رمضان عقب مشاهدته المعرض في حديث للجزيرة نت "ما نشهده أن الشباب وبدون تعقيدات أو بحث نظري قرروا تكسير الحدود مستلهمين درس الحديد لينسجوا علاقات بالدم بين العواصم العربية" موضحا أن الشباب "أعطونا مساحات ليحلم كل منا على طريقته عبر تأمل مصير سكة الحديد الموحدة.

ومن وجهة نظره فالفكرة قربت القلوب من الحديد لنرى من خلالها مستقبلا فسيحا للناس فالأرض كانت واحدة تحت الاحتلال لكننا لا ننشد الاحتلال بل الوحدة والحرية.

مدير مؤسسة الخط الحجازي صلاح اللوزي (الجزيرة نت)
تراث عالمي
من جهته قال مدير مؤسسة الخط الحديدي الحجازي الأردني صلاح اللوزي إن الفكرة تعني المجتمع المحلي لترسيخ فكرة إنشاء شبكة وطنية للسكك الحديدية. وأوضح للجزيرة نت "نخطط ليكون الخط تراثا عالميا وإرثا يرفد الاقتصاد الوطني".

كما رأى مدير العلاقات العامة بالمؤسسة محمود فريحات أن هدف المعرض تعريف مؤسسات المجتمع المدني بأهمية الخط (1430 كيلومترا) التاريخية والحضارية باعتباره الشريان الذي كان يربط سوريا الطبيعية قبل اتفاقية سايكس بيكو.

وتحدث عن اتفاقية مع الجانب السوري وقعت في أبريل/ نيسان الماضي لتسيير رحلات بين عمان ودمشق لكن لم تنفذ بعد بسبب الظروف الحالية في سوريا.

المصدر : الجزيرة