شادي الأيوبي-أثينا
على بعد دقائق من مبنى البرلمان اليوناني يقع المتحف المسيحي البيزنطي، وهو مبنى قديم كان ملكا لإحدى ثريات أثينا، يمثل إحدى روائع فن البناء في أوائل القرن العشرين.

ويضم المتحف ما يقارب 25 ألف قطعة فنية بين الجداريات والرسوم الكنسية والنقوش والمنحوتات المختلفة والأقمشة والألبسة الكهنوتية واليومية لليونان البيزنطيين مع مجموعات مخصصة للأقباط القدماء، كما تضم قاعة العرض كنائس صغيرة تم ترميمها ونقلها بعناية شديدة إلى المكان.

ويحوي المتحف بالإضافة إلى الصور الكنسية التي تؤرخ لمختلف العهود البيزنطية، نسخا قديمة من الأناجيل والكتب الكنسية مع شروح عن كاتبيها ومؤرخي العصور الماضية لا سيما من الكهنوتيين ورجال الكنيسة.

ويعود التاريخ الأقدم للقطع المعروضة إلى القرن الثالث الميلادي، بينما تنتهي التواريخ الحديثة بالقرن العشرين، ما يجعل المتحف شاهدا حيا على مختلف العصور البيزنطية وما فيها من تحولات وتماوجات وتأثير متبادل مع الحضارات التي عايشتها ونافستها أو صارعتها في أحيان أخرى.

ويبدو أن القائمين على المتحف أدركوا أهمية جذب الجيل الجديد للاهتمام بالفن القديم والمتاحف والثقافة فقاموا -شأن الكثير من المتاحف المماثلة- ببرامج للتوعية والتثقيف تستهدف الشباب والطلاب من المراحل الدراسية الأولى، انتهاء بالمراحل الجامعية العليا.

حول بدايات المتحف يقول كوستاندينوس ذيميتريوس المتخصص بالعلوم البيزنطية ومدير المتحف إنه تأسس عام 1914 لكن التحضيرات له بدأت منذ العام 1885، وهدف منذ البداية لجمع التراث البيزنطي من جميع الأنحاء.

وأشار إلى أنه تم جمع التحف الفنية من الحفريات التي تمت في اليونان وعن طريق شراء تحف من هواة جمع التحف القديمة ومن الهدايا والعطايا التي تقدم من المؤسسات والأفراد، وكانت فترة الخروج الجماعي لليونانيين من آسيا الصغرى فترة أثرت المتحف بالكثير من التحف التي حملها هؤلاء معهم وقاموا بإهدائها إليه.

أما عن تسمية المتحف فقد أوضح ذيميتريوس بأنه ليس متحفا مسيحيا بالمعنى الحرفي، فهو لا يحتوي فقط التحف المتعلقة بالديانة المسيحية وحسب، بل أيضا الكثير من التحف التي كانت مخصصة للاستعمال اليومي والمعيشي، لكنها كلها تعود إلى الفن البيزنطي حصرا، وأكد مدى التشابه بين التحف المعروضة في المتحف بتلك التي وصلت من الفن القبطي في مصر.

كما أوضح أن اليونانيين القدماء كانوا معروفين بولعهم بالجمال والحرية والجسد وذلك واضح فيما وصل من آثارهم وكتاباتهم، لكن في أواخر عهدهم ظهرت بينهم نزعة نحو الجمال الروحي والفكري بدلا من الجمال الجسدي وكان ذلك مع من يطلق عليهم الأفلاطونيون الجدد، ما جعل الجو مهيأ لظهور الفن المسيحي البيزنطي الذي حول النظرة عن الفن إلى الروح والإيمان بدلا من النظر إلى الجسد الفاني.

وأضاف أن القرن البيزنطي العاشر شهد ردة نحو تعظيم الجسد والعناية به، وكان ذلك نتيجة لكثرة القراءات في الفن والفلسفة اليونانية القديمين، ما يجعل التأثيرات بين اليونان القديمة والعهد البيزنطي متبادلة وشبه متساوية، وقد انتهى العهد البيزنطي في القرن الخامس عشر، لكن تأثيراته الفنية بقيت واضحة في القرون اللاحقة حتى القرن التاسع عشر.

وعن الصور والتماثيل الرياضية قال مدير المتحف إن ظهورها لم ينقطع تماما في العهد البيزنطي حتى القرن الميلادي السادس عندما أوقف الإمبراطور يوستينيانوس الألعاب الأولمبية، فقلت التماثيل والتصاوير التي تهتم بالجسد الرياضي وتظهر تفوقه وقوته، ويندر بعد القرن السابع أن يرى المرء التماثيل الرياضية المتقنة.

وحول التعاون مع المتاحف المسيحية في المشرق أشار ذيميتريوس إلى أن مسؤولي المتحف قاموا في السنوات الأخيرة بمعارض مشتركة مع أديرة مثل دير القديسة كاترينا في سيناء معربا عن طموحه في التعاون مع المتاحف المماثلة في سوريا التي تحوي الكثير من الآثار والأديرة البيزنطية.
ــــــــــــــــــ
مراسل الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة