جزر الكناري تحكي ثقافات العالمين القديم والمكتشَف
آخر تحديث: 2018/4/13 الساعة 14:41 (مكة المكرمة) الموافق 1439/7/27 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2018/4/13 الساعة 14:41 (مكة المكرمة) الموافق 1439/7/27 هـ

جزر الكناري تحكي ثقافات العالمين القديم والمكتشَف

متحف بيت كريستوبال يبرز الروابط التي تجمع بين جزر الكناري والأميركتين من خلال مواد أرشيفية وخرائط (الألمانية)
متحف بيت كريستوبال يبرز الروابط التي تجمع بين جزر الكناري والأميركتين من خلال مواد أرشيفية وخرائط (الألمانية)

لو كانت الأشجار تستطيع الكلام لتحكي قصة غزو الأميركتين، لكان لديها الكثير لتحكيه، كشجرة "دم التنين" أو "دم الأخوين"، وهي شجرة عمرها خمسون مليون عام على ظهر الأرض، ومنشؤها حوض البحر المتوسط، ومثلها شجرة الصنوبر أو "الأروكاريا" ومنشؤها أميركا اللاتينية وينسب إليها شعب "الأروكان" المحاربون الأشداء من تشيلي وأورغواي وباراغواي.

هذه الأشجار ترتفع سامقة في منظر بانورامي خلاب وسط باحة "الروح المقدس" في الحي القديم من مدينة "لاس بالماس دي جران كناريا" الإسبانية.

إيلينا أكوستا، مديرة متحف "بيت كريستوبال كولون" الذي يحتل المبنى التاريخي المقام وسط المدينة، ويعنى بإبراز الروابط التي تجمع بين جزر الكناري والأميركتين من خلال المواد الأرشيفية والمعارض والخرائط التي تستحضر في الأذهان شكل العالم في تلك الفترة، تقول إن "لاس بالماس دي جران كناريا كانت أول مستعمرة أسستها إسبانيا في المحيط الأطلنطي".

وتضيف "واجه الإسبان هنا نفس الظواهر التي اضطروا لمواجهتها بعد ذلك في الأميركتين: السكان الأصليون والغزو والانصهار في المجتمع الجديد"، وتتطرق في سردها لوقائع الغزو الإسباني لجزر الكناري -الذي بدأ عام 1478- ومدى التشابه بينها وبين ما حدث مع اكتشاف العالم الجديد بعد ذلك بأربعة عشر عاما، فتقول "كانت هذه الجزر بمثابة معمل صغير، عالم مصغر لما سوف يحدث بعد ذلك".

ميدان سانتا آنا الذي يعتبر المركز الحيوي لمدينة لاس بالماس دي جران كناريا (الألمانية)

يمكن العثور على شواهد جلية على هذه الصلات في حي بيجيتا الذي يعتبر النواة التي تأسست حولها لاس بالماس دي جران كناريا، إذ يشكل طراز العمارة وتقسيم الشوارع في الحي -جنبا إلى جنب مع أنواع الأشجار والنباتات بمختلف ألوانها- فضاء فريدا هجينا يجمع بين تفاصيل إسبانيا وأميركا اللاتينية، في سجل ذاكرة تاريخية لا تمحى.

وعلى الرغم من أن تقسيم الميدان يختلف كثيرا عن الميادين والساحات الرئيسية التي ميزت حواضر شبه جزيرة أيبيريا، فإن هذا الميدان أصبح نموذجا يحتذى به في غالبية ميادين وساحات حواضر دول الأميركتين، والتي تعكس نفس المفهوم، ومنها على سبيل المثال "ساحة السلاح" أو الميدان الكبير في العاصمة البيروانية ليما، أو "الثوكالو" في المكسيك.

الشوارع المرصوفة بالحجر والممرات المخصصة للمشاة المحيطة بالميدان، يفوح منها عبق الأجواء الكولونيالية، ممتزجة بتفاصيل عمارة عصر النهضة وعصر الباروك، آخر ما تبقى من لمسة عربية إسلامية، والتي بدورها تعتبر من أبرز الصلات المشتركة التي تؤكد المؤاخاة بين جزر الكناري والأميركتين بصورة واضحة لكل عابر سبيل يرنو ببصره متأملا واجهات المباني وتفاصيلها.

بعض المباني الفخمة استخدمت بعد ذلك كنماذج للعمارة في دول الكاريبي، حيث تبرز شرفات رائعة ونوافذ خشبية، وهي من العناصر الأساسية لهوية الطراز المعماري المنتشر في جزر الكناري، والتي لا يضاهيها في الروعة سوى شرفات ليما بالأرابيسك المميز فيها.

متحف بيت كريستوبال كولون الذي يحتل المبنى التاريخي المقام وسط مدينة لاس بالماس دي جران كناريا (الألمانية)

وفرة أشجار الصنوبر في جزر الكناري يمكن ملاحظة أثرها الواضح في جميع أركان متحف كريستوبال كولون، سواء في التفاصيل الزخرفية المنتشرة في عوارض الأسقف أو الشرفات أو في درابزين السلم والفناء، والتي تعتبر من المعالم المهمة في المكان، نظرا لأنها تعكس امتزاج التراث العربي مع الروماني في جنوب شبه جزيرة أيبيريا، والتي انتشر منها في العمارة الكولونيالية.
 
يوضح مرشد المتحف لفوج من الزائرين الذين لم يستطيعوا إخفاء انبهارهم بالبغاوات الملونة المنتشرة في الفناء، أنه "النموذج التقليدي للفناء المفتوح داخل المنزل والشرفات المطلة عليه والمصممة من الخشب المنقوش"، ويؤكد أن "هذه لمحة أخرى من الأميركتين هنا".

يذكر أن المبنى أعيد بناء معظمه مرة أخرى في القرن العشرين بعد ضم بعض المباني المجاورة إليه، إلا أن الجزء التاريخي منه كان يشغل مقر الحاكم، حيث ترجح الشواهد أن يكون كريستوبال كولون قد نزل به في 1492، خلال إقامته في جزر الكناري التي امتدت بضعة أسابيع، قبل خروج سفنه لعبور المحيط وتغيير التاريخ مع بداية عصر الكشوف الجغرافية.

تجدر الإشارة إلى أن كريستوبال كولون نزل ثلاث مرات في جزر الكناري خلال رحلاته الأربع للعالم الجديد. كانت الثانية عام 1493، حيث حمل معه من الجزيرة نباتا سيغير بعد ذلك مسار اقتصاد الأميركتين، وهو قصب السكر الذي كان بمثابة الذهب في القرن الخامس عشر.

وتذكر أكوستا أن "قصب السكر جاء إلى الجزيرة من مدينة ماديرا البرتغالية ليصبح المحصول الرئيسي فيها، إلا أن هذا الوضع تغير مع ازدهار زراعة القصب في الأميركتين، إذ لم يعد قصب الجزيرة يستطيع المنافسة مع منتجهما.

صومعة سان أنطونيو أباد في مدينة لاس بالماس دي جران كناريا (الألمانية)

وقد وصل الموز إلى الأميركتين عن طريق جزر الكناري أيضا، وشجر الصبار، وحيوانات مثل الكلب والنعاج. أما المحاصيل التي قطعت الاتجاه المعاكس من الجانب الآخر للمحيط إلى القارة العجوز فكانت الذرة والبطاطا، وانتشرت بسبب تشابه الظروف المناخية، وانتقلت منها إلى باقي أوروبا، وفقا لما هو موثق بشأن التبادل الذي حدث نتيجة رحلات كولون.

ويعتبر باجيتا في حد ذاته كتابا مفتوحا حول هذا الموضوع، فعلى بعد أمتار من متحف بيت كريستوبال كولون، يقع المنزل الذي ولد فيه مغني الأوبرا "ألتينور ألفريدو كراوش"، وتقع صومعة "سان أنطونيو أباد"، حيث تشير الحكايات الشعبية أن كولون لجأ إليها متضرعا بالصلاة قبل خروجه صوب العالم الجديد، وتوجد بالفعل لوحة رخامية تسجل هذا الحدث.

في الحي نفسه، يوجد متحف جزر الكناري المخصص لدراسة عرقيات السكان الأصليين الذين استوطنوا الأرخبيل قبل وصول الإسبان، فيما تحكي شوارع الشرفات العربية وكنائس "سانتو دومينجو دي جوثمان" و"ثان فرنثيسكو دي بورخا" والكاتدرائية الرئيسية التي استغرق بناؤها أربعة قرون ولم تكتمل بعد؛ تاريخ الامتزاج والمؤاخاة بين جزر الكناري والأميركتين.

في ميدان صغير يطلق عليه "وزن الطحين"، يوجد منزل قديم عاش فيه سيلفستري دي بالبوا (1563-1649) مؤلف رواية "مرآة الصبر"، أول عمل في الأدب الكوبي. في المقابل بالتحديد توجد شجرتا "دم التنين" والأروكاريا تقفان شامختين لتسردا أصل الجذور المشتركة لتاريخ يجمع اليوم بين خمسمئة مليون إنسان.

المصدر : وكالة الأنباء الألمانية