ماذا فعلت الحيوانات الضالة بـ"ابتسام" المغربية؟

ماذا فعلت الحيوانات الضالة بـ"ابتسام" المغربية؟

ابتسام تركت عملها بالمجال العقاري لتتفرغ للعناية بالحيوانات الضالة ورعايتها (الجزيرة)
ابتسام تركت عملها بالمجال العقاري لتتفرغ للعناية بالحيوانات الضالة ورعايتها (الجزيرة)

عبد الغني بلوط-مراكش

خلف ذلك الباب الكبير، حيث تتملكك الرهبة وأنت تسمع نباحا لا يتوقف من رهبة أخرى مقابلة إيذانا بقبول زائر غريب.

تضع رجلك الأولى على عتبة ملجأ للحيوانات المتشردة، في ضيعة صغيرة على مشارف مدينة مراكش، لتظهر لك وجوه كلاب وقطط غير مألوفة تتفرس نظراتك كأنها تحاول قراءة ما بداخلك، وأمامها "ابتسام" صاحبة الملجأ تستقبلك بابتسامة واسعة، وبين يديها عصفور مسجى بثوب تنتظر أن يجف دواء عالجت به جرحا بجناحه.

تسرح بعينيك يمينا ويسارا، فتتراءى لك بنايات وشبابيك وأشجار زيتون. فهنا مصحة للحيوانات المريضة، وهنا منازل إيواء القطط المحلية الأليفة، وهناك مأوى للرضع منها، وهنالك مجمع الكلاب الضالة والمعطوبة.

تتقدم خطوات في الملجأ بحذر، وبعد أول قفزة ترحيب على صدرك من كلب صيد دون أذى، تشعر مباشرة بالأمان المتبادل، بينما الصوت المزعج يتحول فجأة إلى طاقة هائلة يشعرك برغبة مباغتة لاكتشاف عالم مليء بالأسرار.

 
تفتخر ابتسام برعايتها الحيوانات الضالة وتوليه جزءا كبيرا من وقتها (الجزيرة)

شغف قديم
تقول ابتسام (33 سنة) بكثير من الفخر والاعتزاز وقد أطلقت الطائر يحلق في العلياء "الحيوانات الأليفة عشقي الدائم، والضالة منها اهتمامي الحالي، كيف يغمض جفني وأنا أراها تتألم في الشارع من مرض أو عطب، من جوع أو إهمال".

يعود الهدوء إلى المكان رويدا رويدا بعد أن أشبعت الكلاب فضولها وخف توترها وأتمت ترحابها. تضيف ابتسام للجزيرة نت بعدما قربت إليها قطة صغيرة تتمسح بها "عشقت القطط والكلاب منذ نعومة أظافري، وفي بيتي الخاص بعدما كبرت وصل بي الأمر إلى الاعتناء بـ 12 كلبا و24 قطا، وقد تركت مهنتي في المجال العقاري لأهتم بهذه الحيوانات، وأقوم بهذا العمل لأن أحد ما يجب أن يقوم به، ففي كل ذي كبد رطب صدقة".

تحكي ابتسام عن العشرات من الحيوانات، وكأنها تروي عن أجزاء من ذاتها وحاجاتها ليس فقط للتطبيب والأكل والأمن، ولكن للرعاية النفسية والشعور بالأنس والحديث المتبادل، تبوح به هذه الأرواح لتفرج عن ضيقها، تترجمه النظرات والحركات والأنين أو تغير نبرة مواء أو نباح، حاجات مشتركة تروي وشائج خفية ليلمع بريق الحياة في أعين كل جزء من تلك الذات.

مأوى مفقود
من يطلع على هذه التجربة يشعر بهذه الرحمة التي تملأ قلب ابتسام. رحمة فاضت على كائنات تعاني دون حول منها ولا قوة.

يقول أحمد المتصدق نائب عمدة مدينة مراكش للجزيرة نت "في هذا الملجأ فيض وعطاء لا يمكن إلا أن يترجم نقاء السريرة وابتغاء أجر عند الرحمن الرحيم، زرتها ذات يوم واكتشفت تضحياتها الجليلة رغم كل الصعوبات بل أشفقت على هذه الفتاة من شدة الإفراط في هذا الحنان".

تسير ابتسام كل يوم في رحلة بحث عن أسر تأوي حيواناتها الأليفة التي استعادت عافيتها، لكنها تصطدم كل مرة بعقلية محلية ترى في القطط والكلاب مصدر إزعاج.

تقول وهي تنظر بعطف وشفقة إلى كلب بترت إحدى أرجله "نضطر للإبقاء على القطط والكلاب التي تجاوزت سنا معينة، أو تلك المعطوبة عطبا دائما، فالناس الذين يتصلون بنا يبحثون عن أنواع مستوردة معروفة تتخذ للزينة، بينما الأنواع المحلية بالرغم من أنها خضعت للعلاج وتلقت التلقيحات اللازمة ينظر لها بكثير من الريبة".

الكلاب والقطط الضالة لا تجد من يعتني بها خارج الملجأ (الجزيرة)

علاج نفسي
ابتسام تخوض أيضا تجربة فريدة في استقبال مراهقين يعانون من اضطرابات نفسية، بل حتى الكبار يزورون الملجأ من أجل الراحة والهدوء. وعن ذلك تقول "حين استقبلت مراهقا عن طريق الصدفة أول مرة يعاني من الاكتئاب بطلب من أسرته التي لاحظت أنه تغير بالاهتمام بهذه الأرواح، وأن إقباله على الحياة قد زاد".

تستلهم تجربتها من مدن أوروبية، حيث يأتي الناس لشرب شاي أو قهوة أو غيره، ويلتقون في جو حميمي مع حيوانات أليفة تمنحهم الكثير من الطاقة الإيجابية، كما تمنحهم الهدوء والسعادة من ضغط وإرهاق العمل.

وبتشاور مع أطباء نفسانيين، بدأت الحالات وإن كانت قليلة تتوافد على الملجأ. وتوضح أن المراهقين الذين يستفيدون غالبا من "العلاج" هم الذين ليس لهم "رهبة" من الحيوانات الأليفة.

ابتسام ترعى الحيوانات الضالة بملجأ خصصته لهذا الهدف (الجزيرة)

وتقول الطبيبة ولاء بنشقرون المعالجة النفسانية للجزيرة نت "انتشرت طرق العلاج النفسي وتنوعت، ويعتبر اللعب مع الحيوانات والاعتناء بهم فرصة كبيرة للتخفيف من الآلام الداخلية ونقص التوتر والاكتئاب".

وتشرح أن بعض الأمراض النفسية مثل بعض أنواع التوحد يعاني أصحابها من ضعف في التواصل الاجتماعي لا يمكن تفاديه. وقد يكون التعامل مع الحيوانات وسيلة للتخفيف من وحدتهم.

وتبرز بنشقرون أن بعض المرضى يشعرون بالنقص وإسقاط حالتهم على وضعية التواصل، وينظرون إلى أن من يخاطبهم يحاول تقييم كلامهم، وهذا منتف لدى الحيوانات الأليفة خاصة القطط والكلاب، والتي لها درجة أكبر من الوعي مقارنة مع الحيوانات الأخرى، وسريعة الإحساس بالحالة النفسية للإنسان.

وتعترف ابتسام أن عملها شاق جدا، ومرهق لا يقدر عليه إلا من يقدم عليه بقلب قوي واحساس مرهف "مثل هذا الملجأ نادر بالمنطقة، واعتنائي بجهد فردي ليس حلا، يجب تضافر كل الجهود من أجل مشكلة الكلاب الضالة التي إن بقيت في الشارع تكون في خطر وتصبح خطرا على الإنسان".

المصدر : الجزيرة