نساء الولجة.. مقاومة الاحتلال بالزراعة وإعادة التدوير

هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

عـاجـل: الجزيرة تحصل على وثيقة مبادرتين قدمهما غريفيث لطرفي المشاورات اليمنية حول تعز والحديدة ووقف القتال بهما

نساء الولجة.. مقاومة الاحتلال بالزراعة وإعادة التدوير

المبادرة تهدف لتحسين ظروف المعيشة عبر إعادة تدوير المنتجات وتحويلها إلى أعمال فنية (الصحافة الإسبانية)
المبادرة تهدف لتحسين ظروف المعيشة عبر إعادة تدوير المنتجات وتحويلها إلى أعمال فنية (الصحافة الإسبانية)

أطلقت نساء من قرية الولجة الفلسطينية مبادرة لإعادة تدوير المنتجات العديمة الفائدة، وتحويلها إلى أعمال فنية بهدف تحسين الظروف المعيشية التي تسبب في تدهورها الاحتلال الإسرائيلي، ومنع تهجيرهم من قريتهم.

صحيفة "بوبليكو" الإسبانية نشرت تقريرا عن المبادرة التي يتم تنفيذها في الولجة، وهي قرية صغيرة تقع بين بيت لحم والقدس في منطقة التماس الواقعة في الضفة الغربية بين الخط الأخضر والجدار العازل.

ويحيط بقرية الولجة، مستوطنة "هار جيلو" من الجنوب، وجدار الفصل في الشمال والشرق، ويحدها من الغرب الطريق الدائري الإسرائيلي الذي يربط المستوطنات بالقدس.

وإذا استمر المسار المخطط له، فسيحول الحاجز الخرساني هذه القرية الفلسطينية إلى سجن في الهواء الطلق، حيث لا يمكن الوصول إليها سوى من الضفة الغربية، عبر نقطة تفتيش عسكرية عند المدخل الرئيسي للقرية. وبالتالي، فإن الآثار المترتبة عن العزلة التامة والوشيكة التي سيخضع لها سكان قرية الولجة متعددة ومدمرة. 

الولجة قديما وحديثا
حتى أكتوبر/تشرين الأول 1948، كانت قرية الولجة تضم أكثر من 1800 هكتار من الأراضي، لكن مع تقسيم فلسطين عام 1948، دُمّرت القرية الأصلية بالكامل، واضطر سكانها إلى الفرار بسبب المليشيات الصهيونية، وأصبحوا لاجئين في الأردن ولبنان وبيت لحم.

وعلى أمل العودة، استقر مئات النازحين في الكهوف والمنازل الطينية على طول الخط الأخضر. وبعد سنوات، قاموا ببناء بنايات دائمة وأنشؤوا ما يعرف الآن بقرية الولجة، على مساحة 440 هكتارا من الأراضي التي ظلت على الجانب الفلسطيني.

لكن، لم يدم السلام في الولجة طويلا، إذ إن إسرائيل -في سنة 1967- استغلت احتلالها للضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، وأدرجت جزءا من القرية في بلدية القدس المحتلة حديثا.

ومع ذلك، حُرم سكانها من حقوق الإقامة، ومنذ ذلك الحين، أصبحوا يواجهون خطر تدمير منازلهم، وحتى غرامات الإقامة غير القانونية فيها.

مستقبل قرية الولجة على المحك في ظل إجراءات الاحتلال (الجزيرة-أرشيف)

وقد سببت اتفاقيات أوسلو لسنة 1993 العديد من المشاكل بدلا من إحلال السلام. فبعد التقسيم الإداري للأراضي الفلسطينية الناجم عن هذه الاتفاقيات، ومع إنشاء المنطقة (ج) التي تغطي أكثر من 60% من الضفة الغربية وتضم أكثر المناطق الريفية الغنية بالموارد الطبيعية، والتي تخضع للسيطرة المدنية والعسكرية الإسرائيلية، أصبح يتعين على أصحاب المنازل في الولجة الحصول على تراخيص بناء من الإدارة المدنية الإسرائيلية أو بلدية القدس لكل منزل يتم بناؤه بعد سنة 1967.

وفي ظل انعدام إمكانية الحصول على هذه التصريح تقريبا، لم يظل أمام الفلسطينيين حل سوى بناء منازلهم دون ترخيص، مما يعرضهم لخطر التدمير والاضطرار إلى البدء من جديد.

ووفقا لمنظمة بتسيلم الإسرائيلية، أصدرت السلطات الإسرائيلية بين سنة 1982 و2014، حوالي مئة أمر بهدم المنازل في الولجة، وفرض غرامات مالية بلغ مجموع قيمتها 1.5 مليون شيكل (أي ما يعادل 350 ألف يورو).

بالإضافة إلى ذلك، تعد المصادرة المنهجية للأراضي الزراعية والموارد المائية في المنطقة جزءا من سياسات الاحتلال القمعية، لإجبار سكان الولجة على التخلي عن أراضيهم والانتقال إلى المنطقة (أ) و(ب) من الضفة الغربية، بحثا عن حياة أفضل.

بناء على ذلك، ومنذ إقامة السياج حول القرية في السنة الماضية، تم عزل المزارعين في الولجة بالكامل عن أراضيهم الزراعية ونبع عين الحنية الذي أصبح صالحا فقط للإسرائيليين الذين يعيشون في المنطقة.

هذه الظروف جعلت من مدينة الولجة واحدة من أهم نقاط المقاومة السلمية في فلسطين، وقد أدى الفصل الأخير من كفاح هذا الشعب ضد تجريده أرضه إلى معركة مكثفة واحتجاجات لوقف تقدم الجدار.

في المقابل، رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية طلب السكان إعادة توجيه مسار الحاجز، وانتهجت سياسة انتقامية أدت إلى سحب تصاريح العمل في إسرائيل من كل شخص يشارك في المظاهرات.

نتيجة لذلك، ظهرت في القرية أشكال أخرى من المقاومة المدنية كانت إبداعية بصورة متزايدة.

جرافات الاحتلال كثيرا ما تقتحم قرية الولجة لهدم منازل فلسطينية (مواقع التواصل)

إبداع المقاومة
في هذا الإطار، قامت مجموعة من النساء بدعم من الجمعية الألمانية "كورف فوستروف" بتطوير مبادرة تسعى -من خلال إعادة التدوير للأفضل، أو ما يعرف بإعادة التدوير الفني- إلى تدريب نساء الولجة حتى يتمكنّ من المشاركة في المجتمع بنشاط اجتماعي من نوع آخر، وذلك عبر تحويل منازلهم إلى أماكن للمشاركة الجماعية.

هذا المشروع يهدف -وفقا للمنسقة السابقة للجمعية، نيكولا بايسه- إلى تمكين نساء القرية من الصمود أمام الظروف القاسية التي يفرضها الاحتلال، وذلك "بطريقة خلاقة وغير عنيفة، مما يزيد من فرصهم وفرص مجتمع الولجة لتحقيق حياة أفضل، وقبل كل شيء، لتجنب طردهم من جديد من قريتهم".

وتعتمد هذه المبادرة على الأرض كنقطة انطلاق، وتسعى إلى ضمان مساهمة النساء في إحداث بساتين وحدائق صغيرة في منازلهن.

خدمة المجتمع
تقول لبنى، وهي إحدى المتمرسات في هذه المبادرة، "إن فكرة المشروع تكمن في إدماج نساء قرية الولجة للعمل معا على أمر عملي يكون في الوقت نفسه صالحا لخدمة المجتمع بأكمله".

وتضيف أن "الأرض هي الجذور التي تربط السكان بهذه القرية، لذلك أردنا أن نفعل أمرا من شأنه أن يسمح للنساء برعاية الأرض، بهدف أن يظل ارتباطنا بها قويا جدا وأن نقاوم ولا نترك المدينة للمستوطنين حتى إن ظلت محاطة بالجدار".

وبالنسبة لرشا -وهي أيضا عضو في المبادرة- فأشارت إلى أن "الحدائق لم تصبح ملجأ فحسب، بل ساهمت أيضا في تحسين الحياة الأسرية.. ففي الماضي، كان أطفالنا شديدي الانشغال بالهواتف المحمولة، لكن عندما بدأنا العمل في الحدائق أصبحت عائلاتنا أكثر اتحادا، حيث كانت وسيلة لتشجيع الأطفال ومنحهم الأمن وإظهار أنهم قادرون على فعل أي شيء".

بفضل هؤلاء النساء، اكتشف مجتمع الولجة بأكمله طريقة أخرى لمواجهة الاحتلال. وفي الوقت نفسه، أصبحت هذه المبادرة شكلا من أشكال العمل المستدام، إذ ساعدت على التخفيف من حدة الاقتصاد المنهار نتيجة الاحتلال الإسرائيلي.

وفي هذا الصدد، تقول لبنى "من الطعام الذي أحصده مباشرة من حديقتي، يمكنني إطعام عائلتي والحصول أيضا على بعض المال من بيع ما زاد على حاجتنا".

وعلى الرغم من أن هذه المساحات الخضراء تعد ملاذا للهروب من الواقع القاسي الذي تعيشه القرية، فإن الانتهاء المتوقع من بناء الجدار والمضايقات التي يتعرضون لها من قبل قوات الاحتلال، من شأنه أن يجعل مستقبل هذه القرية الصغيرة على المحك.

ومع ذلك، تواصل نساء الولجة استخدام الخيال والإبداع من أجل الحفاظ على حس الانتماء في المجتمع والهوية العربية في القرية.

لا تفقد نساء الولجة الأمل، وهن يجسّدن الصمود الفلسطيني الذي يكمن في الإرادة الثابتة للبقاء في الأرض وعيش الحياة الكريمة رغم التحديات التي يفرضها الاحتلال.

تقول لبنى "بالنسبة لي، تعد زراعة الأرض في مكان لا يسمح لي فيه حتى بالبناء، تعبيرا عن الأمل في حد ذاته، ووسيلة لإثبات أن هذه الأرض هي أرضي وأرض عائلتي، وأننا لن نطرد منها أبدا".

المصدر : الصحافة الإسبانية