وديع عواودة-حيفا

عثر باحثون على آثار أفران هي الأقدم حتى الآن لإنتاج الزجاج بفلسطين من عصر البيزنطيين الذين أداروا شبكة عالمية للمتاجرة بهذه المادة طيلة قرون. واعتبرها باحثون محليون ودوليون اكتشافا عالميا لأهميتها في فهم تجارة الزجاج البيزنطية.

وتم العثور على أطلال أربعة أفران خلال أعمال تطوير وبناء سكة الحديد الحجازية التاريخية بين حيفا وبيسان، وقالت سلطة الآثار الإسرائيلية إن الأفران التي كشف النقاب عنها بالقرب من جبال الكرمل المتميز بوفرة أشجاره وأخشابه، بنيت قبل 1600 عام.

وذكرت سلطة الآثار في بيان لها الثلاثاء أن الأفران هي الأقدم في البلاد حتى الآن، حيث سبق أن اكتشفت أفران مماثلة بمنطقة الخضيرة القريبة لكنها من القرن الثامن الميلادي، وشددت مديرة قسم الزجاج بتلك السلطة ياعيل جورين روزين على أهمية الاكتشاف، وقالت إنه يوفر دليلا على صحة مصادر تاريخية تحدثت عن الجودة النادرة لرمال عكا الملائمة لصناعة الزجاج.

 برغوث: استخدام الزجاج في العصر البيزنطي كان واسعا جدا (الجزيرة)

صناعة بالنفخ
وردا على سؤال الجزيرة نت، قالت ياعيل إن فحوصا مخبرية كيميائية لمواد زجاجية عثر عليها في أوروبا أو بسفن غارقة بقاع البحر المتوسط أظهرت أن مصدر الزجاج الفاخر كان من فلسطين، مضيفة "الآن وللمرة الأولى عثرنا على أفران ضخمة استخدمت لإنتاج المادة الزجاجية الخام التي صنعت منها أوان وأدوات كثيرة".

وتتفق ياعيل مع المؤرخين على الانتشار الواسع لاستخدام الزجاج في العصر البيزنطي بسبب شفافيته وجماليته ورقة الأدوات المصنوعة منه وسرعة صناعتها بطريقة النفخ التي ما زالت مستخدمة حتى اليوم بورشات تراثية.

بقايا الزجاج المصنع في فرن بيزنطي بفلسطين قبل 1600 عام (الجزيرة)

وأكد المؤرخ سعيد برغوث المختص بالتاريخ القديم للجزيرة نت أن استخدام الزجاج في العصر البيزنطي كان واسعا جدا كأدوات منزلية وبالمرافق العامة أيضا، مشيرا إلى أن الطلب على الزجاج كان كبيرا في تلك الحقبة لاستعماله في صناعة النوافذ والفسيفساء ووسائل الإنارة.

وكشف باحث الآثار الفلسطيني عبد السلام سعيد، الذي عثر على الأفران، للجزيرة نت أن باحثين من دول أوروبية قدموا للبلاد للاطلاع على المكتشفات الهامة، ونقل سعيد عن الباحث الأثري البريطاني المختص بالزجاج البروفيسور أيان فريستون قوله إن الاكتشاف الجديد حيوي جدا لفهم تجارة الزجاج العالمية في العصر القديم.

مركز عالمي
من جهته أشار الباحث البريطاني إلى أن الأفران المكتشفة شهادة على أن فلسطين شكلت مركزا عالميا لإنتاج الزجاج الذي تم تصديره لأوروبا وحوض البحر المتوسط، لافتا إلى أن معاينة المكتشفات الجديدة ستوضح بالكامل خريطة تجارة الزجاج بالعالم.

 سعيد: طاقم المنقبين كشف كمية كبيرة من كسور زجاجية (الجزيرة)

وقال عبد السلام سعيد إنه تنبه فجأة خلال زيارة لموقع بناء سكة الحديد لقطع زجاج ضخمة وأرضية مليئة بالرماد فبادر لوقف العمل فورا وشرع بأعمال حفر أثرية أسفرت عن اكتشاف الأفران بعد أيام.

وأوضح سعيد أن طاقم المنقبين كشف كمية كبيرة من كسور زجاجية داخل أطلال أفران بنيت من طابقين: أولهما للنار وثانيهما بوتقة ضخمة لصهر الرمل مرت بينهما قناة حملت الهواء حرارته 1200 درجة، ورجح أن صهر الرمل في الفرن الذي استخدم عادة لمرة واحدة استغرق أسبوعا أو أسبوعين وفيه تم إنتاج قطع خام زجاجية عملاقة تزن مجتمعة عشرة أطنان وأكثر.

وقال باحث الآثار الفلسطيني "مع انتهاء مدة صهر الرمل والملح والمواد الأخرى كان يتم تبريد قطع الزجاج وكسرها لأجزاء تمهيدا لبيعها بهدف صناعة أدوات زجاجية"، مضيفا " كدت أطير فرحا لأنني أدركت على الفور القيمة البحثية النادرة للمكتشفات ولم أتردد في وقف أعمال البناء والتطوير بسكة الحديد لعدة أيام".

يشار إلى أن السلطات الإسرائيلية باشرت قبل خمسة أعوام إحياء سكة الحديد الحجازية التاريخية بين حيفا وبيسان عبر مرج بن عامر، ويرجح أن تستخدم لشحن البضائع من ساحل المتوسط إلى الأردن عبر جسر الشيخ حسين بين بيسان وطبريا.

المصدر : الجزيرة