سعيد دهري-الدوحة

تجذبك رائحة القهوة، وأنت جالس أو مترجل بكورنيش كتارا في الدوحة، تأسرك، حتى يخيل إليك أنها آتية محملة مع رذاذ البحر ونسائمه، تغويك الرائحة ثانية، فتتعقب مصدرها، وحاسة الشم دليلك، لتهتدي إلى المكان المقصود، حيث يحتضن الحي الثقافي (كتارا) معرضا دوليا للقهوة، الذي يجمع 34 شركة متخصصة تمثل 12 بلدا.

وتسعى الشركات للتنافس على الترويج لمنتجاتها من القهوة وعرض طرائق تصنيعها وتقديمها، دون أن يغفل العارضون التذكير في حماسة زائدة بفوائدها الصحية والنفسية وغيرها من الوصلات التحفيزية، التي ترتبط بالتسويق أكثر من اقترانها بالطقوس الاجتماعية التي واكبت القهوة في علاقتها بالإنسان تاريخيا وجغرافيا.

وفي ركن دَنِي بعين المكان ضرب "بيت الشعر"، وهو خيمة تراثية منسوجة من الصوف ووبر الإبل، وأمامها وضعت "دوة"، وهي جمر النار الذي تطبخ عليها دلال (أباريق) القهوة، وفي مجلس الخيمة ضيوف يطوف عليهم رجال بأكواب وأباريق، يقدمون القهوة والتمر وفق ما تقتضيه أصول الضيافة وتقاليد الترحاب.

الدلال (الأباريق) توضع على النار لتحافظ القهوة على حرارتها (الجزيرة نت)
يقول خالد الملا مدير عام مركز قطر للتراث والهوية، الجهة المنظمة لمعرض "قهوتي هويتي"، إن فكرة إقامة هذا التجمع تولدت بعد إدراج القهوة العربية والمجلس ضمن القائمة التمثيلية للتراث غير المادي باليونسكو قبل أشهر قليلة، وأضاف أن قرار اليونسكو هذا ليس احتفاء بتقاليد خليجية فحسب، بل احتفاء بمكون مهم من الهوية العربية أيضا.
 
القهوة الساحرة
القهوة ليست مشروبا منشطا أو طقسا يوميا يفتتح به المرء نهاره فقط، وإنما هي كما يقول الشاعر محمود درويش "القراءة العلنية لكتاب النفس المفتوح، والساحرة الكاشفة لما يحمله النهار من أسرار"، وهي في الخليج سلوك أصيل، تتخلق به الأسر الخليجية، تعبيرا عن حسن الاستقبال وكرم الضيافة وعمق المودة والمحبة.

آلة المحماس التقليدية تستخدم في تحميص القهوة (الجزيرة نت)
في هذا السياق، يلفت الملا إلى أن القهوة جزء أساس في الحياة الاجتماعية، فإذا وقع خلاف بين أفراد العائلة أو القبيلة تكون القهوة زينة المجلس لمساعدة حكماء القوم على رأب الصدع وحقن الدماء، وما اجتمع قوم حزَبهم أمرٌ ما على دلة قهوة إلا حُلت المشكلة وتم التصالح، منوها إلى أنه حتى على المستوى غير الإنساني فإن شمّ القهوة هو الفيصل للتمييز بين عطر وآخر.
 
لا تزال القهوة العربية تحتفظ بألقها وتوهجها رغم اكتساح المحلات التي تقدم القهوة الغربية، بل إنها أصبحت تنافس هذه الأنواع، بفتح المقاهي الخاصة، أو ما يسمى "كوفي شوب شعبي"، تحافظ على التقاليد والطقوس الأصيلة، وفي الوقت نفسه تقوم بتطوير نكهة القهوة، بزيادة السمسم الطبيعي والبندق المحمص إلى المكونات الأساسية، دون استعمال المنكهات الصناعية.

ويستمر وفاء هذه المقاهي لمفردات التراث، باستخدامها الأدوات القديمة، حيث تستعمل آلة المحماس التقليدي في تحميص القهوة على النار، وكلما كان المحماس أسود اللون دلّ دلالة عميقة على حسن الكرم، كما تستخدم آلة المهباج أو المهباش الخشبي لدق حبوب القهوة على إيقاعٍ موسيقي أشبه بإيقاعات الأهازيج الشعبية البدوية.

المصدر : الجزيرة