ميرفت صادق-رام الله

بالعباية والكوفية الفلسطينية وقف يونان قمصية (80 عاما) على خشبة قصر رام الله الثقافي ليغني "بيت ساحور بيت ساحور طلع الصهيوني مقهور"، بينما أطلقت رفيقته في الغناء حفيظة مصلح (68 عاما) الزغاريد ولوحت بالسيف والمناديل المطرزة.

وجاء يونان وحفيظة من مدينة بيت ساحور جنوبي الضفة الغربية، مع تسعة أصدقاء يشكلون معا "فرقة المسنين" ويقدمون غناء شعبيا تدربوا عليه أثناء نشاطهم اليومي في نادي المسنين بالمدينة.

وانضم قمصية (أبو عصام) إلى الغناء الجماعي في نادي المسنين منذ سبع سنوات، وهو الذي يشرف على تأليف أغاني فرقة النادي التي تشكلت منذ عامين، ويعدّ مطربها الأساسي.

وقدم أبو عصام وفرقة المسنين في عرضهم الأخير ثلاث أغنيات من التراث الفلسطيني، أحدثها أغنية "بيت ساحور" التي تناولت تجربة العصيان المدني في المدينة الفلسطينية ذات الأغلبية المسيحية خلال الانتفاضة الشعبية الأولى نهاية ثمانينيات القرن الماضي.

وقبل العرض كان أبو عصام ورفيقه في الفرقة يعقوب اليتيم (76 عاما) يتحضران لارتداء اللباس الشعبي الفلسطيني، بينما ارتدت زميلاتهم أثواب مدينة بيت ساحور المطرزة قبل الصعود بخطوات متثاقلة لكن بأنفاس مرحة إلى خشبة المسرح.

قال أبو عصام الذي يمتلك حسا فكاهيا عاليا، إنهم يغنّون كمجموعة رغم تقدمهم في العمر وضعف حاسة السمع لديهم.

وتتحدث أغنية بيت ساحور عن تجربة رفض أهالي المدينة دفع الضرائب لإسرائيل نهاية الثمانينيات، مما حدا بالاحتلال إلى مصادرة ممتلكاتهم من الأجهزة الكهربائية والسيارات لإجبارهم على ذلك.

فرقة المسنين تضم سبع سيدات في الستين والسبعين من أعمارهن (الجزيرة نت)

وكان أبو عصام حينها يدير مصنعا للتحف المصنوعة من الصدف، وقال "فرضوا علينا منع التجول أربعين يوما وصادروا التلفزيونات والثلاجات والمراوح والسيارات، لكننا ألقينا بطاقات الهوية الإسرائيلية في وجوههم ورفضنا دفع الضريبة".

وفي تلك الفترة كانت عضوة الفرقة حفيظة مصلح (أم رحاب) من النساء المعروفات بأداء الأغاني الشعبية خلال الأعراس، ومع تقدمها في السن انضمت إلى فرقة نادي المسنين.

تقول أم رحاب إنها تعتز بالغناء عن مدينتها وتاريخها في رفض الاحتلال، حيث كانت خلال العصيان المدني تملك مشغلا للخياطة، وصادر الاحتلال ماكيناته كما اعتقل نجلها الأكبر بتهمة "خياطة العلم الفلسطيني".

عصيان
وتوثق فرقة المسنين عصيان بيت ساحور بكلمات الأغنية:
"احنا رمينا الهوية.. من دون الضفة الغربية
وما نسينا المداهمات.. أربعين يوم كاملات
عَيّينا (رفضنا) ندفع ضريبة .. لإسرائيل الغضيبة"

وتنتهي بنشيد "بيت ساحور بيت ساحور.. طلع الصهيوني مقهور".

 أبو عصام المغني الرئيسي في فرقة المسنين يرتدي الزي التقليدي أثناء الغناء (الجزيرة نت)

 تأسيس الفرقة
وجاءت فكرة الفرقة -كما تقول منسقتها ومساعدة أعضائها نسرين عواد- بعدما اعتاد أعضاء نادي المسنين الاشتراك في فترة ترفيهية يومية للتسلية، ومن هذا النشاط برزت موهبة البعض في التأليف والتلحين والغناء، ومنذ عامين يقدمون وصلات غنائية قصيرة في المناسبات الوطنية.

ومن المواقف الفكاهية التي يتناقلها أعضاء الفرقة أثناء حديثهم، أنهم ينسون الكلمات أحيانا بحكم تقدمهم في العمر، ولذلك لا يقدمون سوى أغنيتين أو ثلاث على الأكثر في الحفلة الواحدة.

وتضم الفرقة 15 مسنا من أعضاء النادي، أكبرهم ثمانيني وأصغرهم ستيني، ويشارك نحو عشرة منهم في كل عرض، وتساعدهم المنسقة وعازف العود في تذكر مطالع الأغاني أحيانا والالتزام باللحن الموسيقي.

وتقول سُمية بنورة (63 عاما) -وهي أصغر أعضاء الفرقة- إنها كانت تغني مع صديقاتها في الأعراس والأفراح، وانتقلت للغناء منذ عامين في فرقة نادي المسنين، وشاركت في احتفالات برام الله وبيت لحم وفي مناطق مهددة بالاستيطان الإسرائيلي.

أما جيزيل عواد (75 عاما) فهي واحدة من مؤسسي نادي المسنين عام 2001، والذي يضم الآن نحو 130 مسنا من مدينة بيت ساحور ينخرطون في أنشطة ثقافية ورياضية يوميا.

وانضمت عواد إلى فرقة الغناء منذ تأسيسها، وترى أن الغناء الجماعي يدخل البهجة على قلوب المسنين، وأن أجمل مردود بالنسبة لهم هو ابتسامة الناس أثناء غنائهم وتفاعلهم معهم.

الإعلامي والمخرج عمر نزال الذي حضر عرض الفرقة، قال إنها تعكس روح التجدد لدى الشعب الفلسطيني حتى بين المسنين الذين ما زالوا يحملون رواية شعبهم وينقلون بطولاته وتضحياته إلى الأجيال الجديدة.

وبرأي نزال فإن غناء الفرقة عن تجربة العصيان المدني في بيت ساحور خلال الانتفاضة الأولى، يلقي الضوء على قيم هامة للجيل الجديد ويمنحه أدوات متجددة لمقاومة الاحتلال.

المصدر : الجزيرة