محمد العلمي-واشنطن

توفيت فقيرة ووحيدة باستثناء زميلاتها في مركز للنساء المشردات بالعاصمة الأميركية واشنطن في يناير/كانون الثاني الماضي عن سن ناهزت الثمانين عاما.

وقبل أن يغيبها الموت في ذلك الصباح البارد، كانت كونسيبسيون بيتشيوتو أو "كوني" كما كان يناديها معارفها قد تحولت إلى أحد المعالم السياحية في واشنطن تثير فضول زائري البيت الأبيض بخيمتها البلاستيكية المتواضعة وشعاراتها المكتوبة بخط اليد المنددة بانتشار الأسلحة النووية وبإسرائيل، والمطالبة بعالم أكثر أمنا وسلاما خاصة بالنسبة للأطفال.

ليس ذلك فحسب بل إنها دخلت التاريخ من أوسع أبوابه كبطلة أطول اعتصام في تاريخ الولايات المتحدة لفترة قاربت 35 عاما منذ بدأته عام 1981 مع بداية حكم الرئيس الأسبق رونالد ريغان، ولم يقعدها عنه إلا المرض والموت.

قدمت كوني إلى الولايات المتحدة مهاجرة من إسبانيا في الـ18 من عمرها، وبعد زواج فاشل من مهاجر إيطالي.

ومطلع الثمانينيات، التقت في الشوارع الخلفية للعاصمة واشنطن ناشطا سياسيا اسمه وليام توماس، وأنتجت العلاقة فكرة التظاهرة والخيمة الصغيرة أمام البيت الأبيض.

سخط متوارث
ولم يدر بخلد الفتاة، التي يعتقد أنها كانت تحمل في جيناتها فكرة السخط على النظام القائم من حادث مقتل جدها بالحرب الأهلية الإسبانية على أيدي قوات الجنرال فرانكو، أن تتحول إلى أسطورة ورمز للتمرد والاعتصام أمام أقوى مكتب سياسي في العالم.

التقط ملايين السياح صورا معها أو تبادلوا الحديث معها عن اعتصامها، بل إن منهم من أقر بأنها ألهمته فكرة الاحتجاج بعد أن لاحظ عن قرب مدى إيمانها وتضحيتها بمبادئها.

ويعد انتشار الأسلحة النووية والخشية من دمار العالم أبرز القضايا التي دافعت عنها كوني، خاصة أنها بدأت الاحتجاج في عز الحرب الباردة والمفاوضات التاريخية بين موسكو وواشنطن حول الحد من تلك الأسلحة.

فقد أقرت ممثلة واشنطن في الكونغرس ألينور هولمز بأن كوني ألهمتها في اقتراح مشروع قانون في مجلس النواب للحد من الأسلحة النووية، وإن لم يحظ المشروع بتصويت باقي المشرعين.

رفقاء كوني يحاولون سد الفراغ الذي خلفته (أسوشيتد برس) 

لكن ذلك لم يمنع الناشطة من مواصلة احتجاجها على مر السنين، وسواء كان الرئيس جمهوريا أو ديموقراطيا. وفي إحدى المرات أثناء رئاسة جورج بوش الأب خرج مع زوجته باربرا، وكانا في طريقهما نحو الخيمة الصغيرة، فقابلتهما كوني بتحية تشبه التحية النازية فعادا على عقبيهما.

هذه الخيمة تبدو الآن حزينة بعد رحيل كوني، وقد جاء السياح هذه المرة لالتقاط صور كرسيها الذي بقي فارغا.

وتوقع بيري -أحد رفاقها في مسيرة الاحتجاج- أن تكون الآن مع عظماء من قبيل مارتن لوثر كينغ والمهاتما غاندي لأنها كانت تحب السلام وخاصة بالنسبة لأطفال العالم.

القضية الفلسطينية
كما كانت القضية الفلسطينية من القضايا العزيزة إلى قلبها وشعاراتها، وإن كانت تؤكد في حواراتها أنها تفرق بين الديانة اليهودية والحركة الصهيونية، وكثيرا ما شوهدت وهي تحمل العلم الفلسطيني في المظاهرات المؤيدة أو المعارضة للحق الفلسطيني أمام البيت الأبيض.

وصفتها كاثلين جيبسون -من صحيفة واشنطن بوست- وكتبت تعريفا وافيا على حياتها ونعيا مؤثرا لها بعد وفاة تلك الناشطة الراحلة، في حديث مع الجزيرة، بأنها مثلت السلام بمعناه الواسع وكانت تحلم بعالم أكثر أمنا للأجيال القادمة.

ويفكر محبو كوني، وما بقي من جيل الناشطين السياسيين، في الإبقاء على نصب الاحتجاج كأفضل وسيلة لتخليد ذكراها، إلا أنهم وجدوا مصاعب جمة في الحصول على متطوعين يتبادلون الجلوس 24 ساعة على الخيمة البلاستيكية وشعاراتها اليدوية.

وهذا مهم جدا لأن شرطة الحدائق الفدرالية التي تعنى بالأمن في محيط البيت الأبيض، وعلى الرغم من تعاطف بعض عناصرها مع كوني وقضيتها، فإنهم لن يترددوا في تدمير النصب الاحتجاجي إذا فرغ لحظة واحدة كما تنص على ذلك اللوائح والقوانين.

المصدر : الجزيرة