وديع عواودة-حيفا

علياء، مثقفة فلسطينية تعمل منذ عقود في التربية وكتابة قصص الأطفال، يقلقها منذ سنوات طمس الرواية والهوية الفلسطينية لمدينتها يافا داخل أراضي الـ 48، ولذلك بادرت بتعريف العالم بها من خلال فنجان القهوة.

في واحد من أزقة حي العجمي التاريخي في يافا، افتتحت علياء أبو شميس مقهى "بسمة" تيمنا بإحدى بطلات قصصها.

تزيّن جدران المقهى قصاصات ورق وصحف تحمل أغاني وقصائد عربية خاصة بالقهوة من "صبوا القهوة" إلى "أنا أهوى" وكل ما كتبه محمود درويش من نثر وشعر عنها.

مقهى "بسمة" أشبه بمتحف فيه الكثير من الموجودات التاريخية والأثرية كأواني القهوة وأباريق الماء الفخارية، وتزدان جنباته بأدوات الإنارة والتدفئة والأزياء النسائية التراثية والأثاث الخشبي المصنوع على الطريقة الشامية.

سامي سلمان أبو عماد من يافا، أحد رواد المقهى، يؤكد أن تناول قهوة بسمة كل صباح يزداد متعة مع سماع شروحاتها التاريخية التي تبدأ بفنجان قهوة ولا تنتهي بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ويقول أبو عماد إن علياء تتحدث عن المذياع التراثي أو طواحين القهوة والحبوب القديمة أو زاوية الكتب والصور والرسومات، وسرعان ما تقدم محاضرة للضيوف عن يافا الفلسطينية بلغة سردية مبسطة وجذابة.

وعبر صور يافا ثانية مدن البلاد بعد القدس، تستذكر علياء أسماء الشوارع العربية التي تمت عبرنتها (كتابة أسمائها باللغة العبرية) فصار مثلا شارع الحلوة "ييفت" والملك فيصل "يهودا هيميت".

وعلى مسامع سائحين من بريطانيا، تتنقل في شروحاتها بين صور منازل ومدارس مثقفين بارزين ولدوا في يافا، أو تعلموا فيها، أمثال هشام شرابي وإبراهيم أبو لغد وجورج حبش وصلاح خلف.

مقهى بسمة يوفر أنواعا مختلفة من البن ومذاقات مختلفة للقهوة (الجزيرة نت)


وبابتسامتها المميزة، تروي علياء لمجموعة نساء من حيفا الملقبة بـ "عروس البحر" أن يافا شكلّت عاصمة الثقافة والعلم والمعرفة في المنطقة.

كما توقفت عند النوادي الثقافية والرياضية في المدينة التي كانت تعرف بـ "أم الغريب" لكثرة الوافدين لها بحثا عن الأرزاق.

وتقول "هنا أقيمت أجمل دور السينما في البلاد كسينما الحمرا وسينما أبولو وغيرهما، وهنا صدرت أهم الصحف، صحيفة فلسطين".

تقف علياء عند جهاز إذاعة فرنسي الصنع عمره نحو ثمانية عقود، وتسرد تاريخ الإذاعات في فلسطين، ومنها تستعيد تاريخ بلادها ومدينتها.

وتقول إن الاستعمار البريطاني أنشأ إذاعة "هنا القدس" عقب اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، وقام بتوزيع أجهزة راديو على المخاتير في الأرياف لبث دعايته المضادة.

ويقول مايك كوك، وهو سائح بريطاني، إنه استمتع بمذاق القهوة العربية المعدة بأوانٍ نحاسية صغيرة، وأكد أنه عرف للمرة الأولى -وبفضل علياء- أن تل أبيب عمرها نحو مئة عام فحسب، وأنها كانت حيا على أطراف مدينة يافا العريقة، ويعلن أسفه عن دور بلاده في تهويد المكان.

تستغل علياء هذا التصريح، وتقدم للسائح فنجان قهوة إضافيا على "حساب البيت" مصحوبا بتعليق يجمع بين المزح والجد "لولا وعودكم التاريخية كانت يافا تضاهي الآن الإسكندرية وبيروت بكل شيء".

المصدر : الجزيرة