تثير اللغة العربية المتداولة بتونس -لهجة وكتابة- استغراب المشارقة أحيانا، بل وحتى بعض القادمين من بلدان الجوار كالجزائر والمغرب. ويعزو أستاذ تونسي الموقف برمته لضعف استخدام اللهجة التونسية مقارنة مع اللهجة المشرقية لأسباب مرتبطة بتأثير وانتشار وسائل الإعلام المؤثرة.

خميس بن بريك-تونس

يعمل المواطن الجزائري طارق إبراهيمي ناشطا بجمعية خيرية جزائرية تتكفل بنقل المرضى لتلقي العلاج في تونس، ومن بين مهامه تفسير بعض المفردات التونسية التي يصعب على مرافقيه فهمها، رغم أن بعض المختصين في اللغة يؤكدون أنها الأقرب للعربية.

عندما جاء إبراهيمي قبل عامين لتونس قادما من مسيلة (وسط الجزائر) ضمن نشاطه مع منظمة "ناس الخير" التي تتكفل بنفقات نقل وعلاج بعض المرضى الجزائريين ضعاف الحال، اصطدم بداية الأمر بكلمات تونسية "غير مألوفة" بالنسبة إليه.

لكن مع مرور الوقت، وبحكم التجربة المهنية التي عاشها بين تونس والجزائر، تعلّم إبراهيمي معاني تلك المصطلحات وجزءا من اللهجة المحلية التي يقول إنها على الرغم من قربها من العربية فإنها تتضمن كلمات غريبة تختلف عن مفردات اللهجة في المشرق وحتى في المغرب.

الجزائري طارق إبراهيمي واجه في البداية صعوبات في فهم لهجة تونس (الجزيرة)

ويقول "نحن نستعمل في الجزائر مصطلح موقف سيارات بينما في تونس يسمونه مأوى سيارات، ونقول مثلا معمل التحاليل وفي تونس يقولون مخبر التحاليل، والأمثلة كثيرة على اختلاف استعمال اللغة، فالتونسيون مثلا يحافظون على اسم طاولة كما جاء في العربية بينما نحن نقول تابلا".

وطالما استعان إبراهيمي بالتونسيين أصحاب الأرض لفهم دلالات بعض المصطلحات، خاصة تلك المستخدمة في اللهجة العامية التونسية، بينما في المقابل لم يشكل عليه فهم معاني اللافتات المعلقة في المصحات أو الطرقات أو الإدارات "لأن تعريبها سليم".

وتشرف في تونس مصلحة الخدمات القانونية التابعة للحكومة على التعريب السليم للمصطلحات المستعملة من أجل تبسيطها، وتولي الدولة اهتماما كبيرا بتعريب المصطلحات وفق خصوصيات البلاد التي نص دستورها على الاستلهام من حضارتها العربية والإسلامية.

مفردات غريبة
ومع أنه يرى أن اللهجة التونسية تتضمن مفردات قريبة من اللغة العربية مقارنة مع لهجات مغربية ومشرقية، فقد لاحظ إبراهيمي أن اللهجة التونسية لها مفردات لغوية غريبة تنفرد بها، شأنها في ذلك شأن بقية اللهجات العربية الأخرى في المشرق أو حتى في المغرب العربي.

ويقول "نحن في الجزائر نقول "بزَّاف" للتعبير عن الكثرة، في حين يقول التونسيون "برشة" أو "ياسر"، وحين يتحدث الناس مع بعض نقول إنهم "يهدرون" مع بعض، لكن في تونس يقولون الناس تحكي مع بعضها، وهذه العبارة التونسية هي الأصح لأنها نابعة من المعجم العربي".

لافتة في أحد شوارع العاصمة تونس تشير إلى محل لتأجير السيارات (الجزيرة)

 ورغم القرب الجغرافي واصطباغ لغتهما ببصمة الاستعمار الفرنسي الذي احتل البلدين، تبدو اللهجة التونسية مختلفة عن اللهجة في المغرب والجزائر، وتزداد اختلافا بمقارنتها مع لغة المشرق، ذلك أنها ملغمة بمفردات إما معجمية تحيل للماضي البعيد أو مفردات لها جذور حضارية.

وهناك فرق شاسع بين اللهجة التونسية والمشرقية وحتى المصطلحات التي يقع تعريبها فيها اختلافات، إذ يستعمل لدى المشارقة مصطلح "مرآب سيارات" عوضا عن "مأوى السيارات" في تونس و"موقف السيارات" في المغرب، ومصطلح "التثبيت" في العمل عوضا عن الترسيم كما هو مستعمل في تونس والمغرب.

والاختلافات اللغوية مع المشرق لا تحصى ولا تعد، فبدلا من مصطلح التوظيف يستخدم في تونس مصطلح "التشغيل"، وعوضا عن استعمال مصطلح "الراتب" يستخدم في تونس مصطلح "الأجر"، وبينما يستخدم لفظ الزراعة في المشرق يستخدم في تونس لفظ الفلاحة.

لهجة ومعجم
ويقول أستاذ العربية رضا كشتبان إن هناك اختلافا بين لغة التداول بالمشرق العربي وبلاد المغرب لا من حيث اللهجة فقط وإنما أيضا في مستوى المعجم، حيث تتميز لغة المغرب بمفردات غريبة في نظر المشرقي لارتباطها بمصادر لسانية وعائلات لغوية عديدة غير مألوفة بالمشرق.
رضا كشتبان يرى أن اللهجة التونسية قريبة من اللغة العربية الفصحى (الجزيرة)
ويوضح أن هذا الاختلاف يعود لتباين المصادر اللسانية والجذور اللغوية معجميا كحضور الأصل البربري الأمازيغي والأندلسي الإسباني واللاتيني الجرماني والبونيقي في بلاد المغرب وغيابها في المشرق شديد الصلة بالعربية الفصحى، والمتأثر أيضا بالأصول التركية والإغريقية والأرمينية.

ورغم أن كشتبان -وهو أيضا رئيس الجمعية التونسية للتربية والثقافة- يرى أن اللهجة التونسية قريبة من اللغة العربية الفصحى، فإنه يقر بضعف استخدامها مقارنة مع اللغة المشرقية التي انتشرت أكثر لأسباب ثقافية مرتبطة بتأثير وانتشار وسائل الإعلام المؤثرة والأعمال الفنية في المشرق.

ويقول "لقد باتت اللغة المشرقية أكثر استخداما لأسباب موضوعية وثقافية في الأساس، فأغلب وسائل الإعلام المؤثرة مشرقية، وأغلب الأعمال الدرامية مشرقية، بينما بقي المغاربة مستهلكين لها حتى تأثروا باللهجات المشرقية، وبقيت لهجاتهم ذات طابع إقليمي ومحلي".

المصدر : الجزيرة