اتخذت سوق الهواتف المحمولة في نواكشوط اسمها "نقطة ساخنة" من سخونتها ونشاطها الدؤوب، حيث فرضت "السخونة" أنماط تعامل خاصة بالسوق، بينما يتهم بعض الزبائن الباعة الجوالين هناك بممارسة الخدع لتحقيق المكاسب.

أحمد الأمين-نواكشوط

"نقطة ساخنة" هي سوق الهواتف المحمولة في نواكشوط، حيث أخذت شهرتها من اسمها ومن نوع بضاعتها، كما اكتسبت تميزها من طبيعة باعتها. للعرض فيها أساليبه، وللتسوق بها ضوابطه ومحاذيره، وللبيع أدبياته وقاموسه. النشاط فيها دائب، والحركة على أشدها طيلة النهار والنصف الأول من الليل.

يرتادها علية القوم وبسطاء الناس، ويقصدها المتسوق الباحث عن هاتف جديد أو مستعمل، والراغب في اقتناص فرصة ربح، حتى ولو كانت عبر أساليب فيها الكثير مما يقال.

يأخذك المشهد وأنت تقترب من السوق، أمواج بشرية من مختلف الأعمار والأجناس، وضجيج أغان صاخبة تخترق الآذان، وأصوات باعة يتفننون في أساليب الدعاية للتأثير على القادمين. يحيط بك الكل فتغرق في بحر من العروض بلغة تتداخل فيها ألسنة العالم، وشفرات يتفاهم بها أهل السوق دون أن يفهم الزبون مقاصدهم.

السوق التي أخذت اسمها من أحد برامج قناة الجزيرة بدأت بالتزامن مع انطلاق خدمة الهاتف المحمول في موريتانيا عام 2000، وتكونت عند نشأتها من محلات صغيرة يقتصر دورها على بيع بطاقات تزويد الهاتف بالرصيد، وبعض أجهزة الهاتف المحمولة، لكنها اليوم تشكل سوقا لأحدث البضائع وأرقاها، ونقطة جذب لكثير من المتسوقين.

أحد محلات بيع الهواتف المحمولة في سوق نقطة ساخنة (الجزيرة نت)

حل للبطالة
أمام السوق يتجمهر الباعة المتجولون يعرضون الهواتف المستعملة، وبطاقات التزويد، وأجهزة الشحن ومختلف الإكسسوارات، وداخلها وفي ممراتها الضيقة تتجاور محلات بيع الهواتف وورشات تصليحها، ومحلات تنزيل البرامج والنغمات والخدمات المرتبطة بذلك.

النجاحات التي حققها بعض من التحقوا بالسوق عند نشأتها أغرت آخرين بالدخول إليها، مدفوعين بالبحث عن فرص عمل في ظل بطالة تجاوزت نسبتها 30% في موريتانيا حسب تقديرات غير رسمية، ويرى أصحاب المحلات أن السوق توفر ما لا توفره سوق أخرى، "ففيها يجد الزبون الهاتف الذي يبحث عنه وبالسعر المناسب لدخله، كما يجد كل الخدمات التي يطلبها"، حسبما يقول سيدنا ولد علي الذي رافق نشأة السوق بائعا متجولا وأصبح اليوم صاحب محل بها.

أما الزبائن فيرون فيها فوائد أخرى، "لعل أهمها إمكانية متابعة آخر منتجات الهواتف والحصول على أحدثها دون خسارة هاتفك القديم، فبإمكانك تعويضه بآخر جديد ودفع مبلغ يسير"، وفقا للشابة فاطمة منت أحمد التي كانت تتجول بحثا عن محل يقدم لها هذه الخدمة.

ويقول ولد علي في حديث للجزيرة نت إن السوق وفرت الكثير من فرص العمل لحملة الشهادات من الشباب، سواء من خلال بيع أجهزة الهاتف أو مختلف الخدمات الأخرى، خاصة أن من يقومون على العديد من ورشات تصليح الهواتف هم خريجون جامعيون.

ببكر يحمل شهادة في ميكانيكا السيارات ويعمل بائعا متجول في "نقطة ساخنة" (الجزيرة نت)

أساليب وخدع
"السخونة" التي ميزت السوق فرضت أنماط تعامل خاصة، فأنتجت أساليبها ومصطلحاتها، وظلت مسكونة بروح المغامرة والبحث عن ربح سريع، فابتكر أهلها أساليب ووسائل لاقتناص الزبون، فعند مدخلها تختطفك مجموعة من السماسرة يطلق عليها في السوق "الحدأة" (لحدية باللهجة المحلية) لتقودك إلى أصحاب محلات تم الاتفاق معهم مسبقا على مبلغ تدفعه دون أن تشعر، حيث يضيفه صاحب المحل إلى الثمن الحقيقي للبضاعة لتتسلمه "الحدأة" لاحقا أو يضاف إلى حسابها المفتوح لدى المحل.

ويتحدث العارفون بخفايا "نقطة ساخنة" عن أساليب متنوعة يرقى بعضها إلى مستوى الغش، فقد يشتري الزبون هاتفا بمواصفات معينة فيستبدل البائع في لمح البصر منه آخر رديئا دون أن يشعر، وهو ما يسمى "التملاح" بلغة السوق.

ويُتَّهَم الباعة المتجولون بممارسة هذا النوع من الخدع، لكنهم ينفون ذلك ويرون أن من يقوم بها هم أشخاص ليسوا من أهل السوق، حسبما يقول "ببكر" البائع المتجول الذي يحمل شهادة في ميكانيكا السيارات.

ويضيف ببكر للجزيرة نت "نحن نعاني من محدودية الدخل ولا نملك المال لتأجير محلات، وطيلة اليوم نظل نجول في الشمس نحمل بضائعنا، ونادرا ما نجد من يشتري منا"، نظرا لتلك الصورة النمطية.

المصدر : الجزيرة